الكون كله من خلق الله وليس من صنع البشر فهم أضعف من أن يخلقوا ذبابة، ولكنهم مسلطون عليه بأمر الله منحة منه حيث سخره الله لهم وجعله مشاعا بينهم. كما سخر بعض البشر لبعض لتتم حكمته فيهم وليبلوهم فيما آتاهم. وما في أيدي هؤلاء العبيد من ملك الله فإنما هو عارية ينتفع بها البشر. وإن كان الاستخلاف قد منحهم بعض الحقوق فقد حملهم بعض الواجبات كعبادة الله وحده وإتباع أمره واجتناب نهيه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومنطق الفطرة يقضي بأن الخليفة أو النائب إذا خرج عن حدود ما مُنح من سلطان أو ما قُيد به من قيود فعمله باطل بطلانا مطلقا من الوجهة الشرعية. إن البشر أيضا مستخلفون في المال وهو عارية في يد البشر، وإضافة المال للبشر في بعض النصوص تفيد أن البشر ملكوا حق الإنتفاع به فالمال لله وللبشر حق الإنتفاع فقط. لذا فالله مالك الكون كله وهو الحكم فيه وعلى البشر اتباع أمره والتزام الشريعة التي أنزلها على رسوله والتحاكم الى ما أنزله على رسوله دون ضيق أو حرج مع التسليم التام. كما حذر الله تعالى من التحاكم الى الأهواء والحكم بغير ما أنزل. فالإسلام عقيدة ونظام دين ودولة ولا حجة لمن يؤمن به عقيدة ولا يؤمن به نظاما حيث أنه بذلك يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. والذين يريدون الفصل بين العقيدة الإسلامية والنظام الإسلامي إنما هم أعداء الإسلام عن عمد أو جهل. والحكام المسلمين الذين يجهلون الإسلام ولا يعملون على إقامة أحكامه كانوا ومازالوا حربا على الإسلام وآلة طيعة في يد أعداء الله. فالحكومة الإسلامية ربط الإسلام فيها طاعة المحكومين للحاكمين بطاعة الحاكمين لأمر الله. وهي حكومة قرآنية قائمة على الشورى والفضائل الإنسانية ذات مقاييس ربانية علوية كالحرية والمساواة والحكم بالعدل وتحريم الإحتكار والربا والإستعلاء والإستطالة على الناس. وهي حكومة لا تدخل تحت أي نوع من الحكومات التي عرفها العالم فلا هي حكومة مستبدة الحاكم فيها مطلق من كل قيد ولا هي حكومة قانونية تخضع لقوانين يضعها البشر. ويشترط لمن يختار إماما فيها أن تتوفر فيه بعض الشروط كالإسلام فالولاية لا تنعقد لكافر، والتكليف والكفاءة والعلم باحكام الإسلام والعدل والسلامة من العيوب. والإمام نائب عن الأمة ولا قداسة له وهو غير معفي من أخطائه بل يحاسي عليها كأي فرد آخر يرتكب هذه الأخطاء. وعليه أن يستشير في كل كبير وصغير من أمر الأمة، إذ أن الشورى واجبة عليه وليست حقا له. وينبغي أن تقوم الشورى على الإخلاص والتجرد من الهوى ودون النظر إلى المنافع الذتية والعصبية، وأن تكون مجردة من كل كذب أو غش أو خداع أو إكراه. وأن يلتزم فيها برأي الأكثرية حيث سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي الأكثرية في خروجه لغزوة أحد وكان يرى غير ذلك، وعلى الأقلية عدم نقد الرأي الذي استقر عليه الأغلبية بل يسارعوا في تنفيذه بإخلاص. وقد يصح عقلا أن يأتي رأي الأكثرية خاطئا ورأي الأقلية صوابا، ولكن هذا نادر والنادر لا حكم له. وإذا كان للإمام مال فليس له أن ياخذ من بيت مال المسلمين، وإن لم يكن له مال أخذ من بيت المال ما يقوم بحاجته وحاجة عياله كرجل من أوسط الناس ليس بأغناهم ولا أفقرهم. أما حقوق الأفراد في الإسلام فهي المساواة فلا فضل لفرد على فرد ولا لجماعة على جماعة ولا جنس على جنس ولا لون على لون ولا لسيد على مسود ولا لحاكم على محكوم، فالناس خلقوا من أصل واحد فلا تفاوت إذا تساوت الأصول. والحرية أيضا مكفولة بجميع أنواعها كحرية التفكير وحرية الإعتقاد وحرية التملك وحرية التعبير. أما اليوم فقد بعد المسلمون عن حقائق الإسلام وهجروا أحكامه وهدموا معالمه. فالإسلام يجعل من المسلمين وحدة سياسية واحدة لهم إمام واحد، ولكنهم انقضوا على هذه الوحدة المقدسة ومزقوها شر ممزق، فتقطعوا إمارات وجمهوريات وممالك. الإسلام يجعل منهم إخوانا متعاونين متحدين، لكنهم اتخذوا من أنفسهم أعداء يناوىء بعضهم بعضا. الحكم في الإسلام قائم على الشورى ولكنه اليوم في البلاد الإسلامية قائم على الهوى والاستبداد. الإسلام يحض المسلمين أن يكونوا أقوياء وأن يعدوا ما استطاعوا من قوة ليرهبوا به عدو الله وعدوهم، ولكنهم اليوم ضعفاء أذلاء. الإسلام يحرم استغلال الأفراد للأفراد والشعوب للشعوب والحكام للمحكومين والواقع غير ذلك. الإسلام يحتم على المسلمين محاربة أعداء الإسلام أما اليوم فهم يسالمون الأعداء الذين يحاربونهم. الإسلام يأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم تخلوا عن هذا الواجب. الإسلام يجعل المال كله لله، وأصبح المال الآن دولة بين الأغنياء منهم. الإسلام جاء لمحاربة الظلم والاستبداد ولكنهم يجعلون الإسلام سندا للظلم ودعامة للإستبداد. الإسلام حق قائم بذاته وهم يظلمون الإسلام بهذه التسميات اشتراكية وشيوعية وديمقراطية الإسلام، وهو أوسع منها جميعا. إن المسئول عما انتهى إليه أمر الإسلام هم الجماهير المسلمة والحكومات ورؤساء الدول والعلماء، كل اولئك يحملون وزر ما نحن فيه، وعليهم العمل من أجل بعث النهضة الإسلامية.
المزيد من الملخصات حول الإسلام وأوضاعنا السياسية