يحتل علم النفس مكانة هامة في حياة الفرد المعاصر وحياة المجتمع المتقدم فقد أصبحت الثروة البشرية مقياساً لتقدم المجتمعات لذلك
تتسابق الدول إلى العناية بهذه الثروة الكامنة في أطفالها ليسهموا في تقدم الإنسانية.
وتتطلب هذه النظرة الإنسانية من الإنسان أن يفهم نفسه ويعرف واقع سلوكه وقدراته واستعداداته وميوله وسماته الشخصية لأن هذه المعرفة تجعله أكثر كفاية وقدرة في حياته وتتطلب أيضاً أن يفهم غيره كي يستطيع التعامل معهم ومساعدتهم.
لذلك نود أن نطلّع على أهم إن الاهتمام بالمرحلة الأولى من حياة الإنسان يبقى على الدوام اهتماماً شديداً وآنياً معاً، ومردّ ذلك بالنسبة إلى العلم هو أن الحالة النفسية تتطور تطوراً شديداً خاصة في الأعوام الأولى من الحياة.
ولقد ألفت كتب كثيرة حول الفترة الأولية لتكون الشخصية، استهدف واضعوها بيان أهمية هذه الفترة واستيضاح القوانين الأساسية لتطور الطفل في ظل ثقافة معينة وإلى وضع نظام للتربية استناداً إلى هذه القوانين.
ويعود هذا الاهتمام لدى الأهل إلى محبتهم لولدهم الآخذ في النمو، فهم يرغبون في أن يروه مرحاً متعافياً، ناضجاً في كل مراحل حياته القادمة، ويعود أيضاً إلى أن فهم كيفية نمو البنية يساعد على فهم كيفية أداء هذه البنية لوظائفها عندما تأخذ شكل النضج، هذا فضلاً عن الحاجة العملية للتنبؤ بشخصية الراشد – واضطراب الشخصية – من خلال معرفة الخبرات الحياتية للطفل وقوانين تطوره الأساسية.
سنحاول من خلال هذه الزاوية أن نلقي الضوء على نشأة شخصية الطفل ونموه متحدثين عن الولادة وخصائص المولود حديثاً، وعن تطور نفسية الطفل في سنوات ما قبل المدرسة وحاجته إلى مخالطة الناس ومعاشرتهم، متوضحين مراحل هذا التطور وكيفية حل بعض المشاكل التي قد تعترض نمو الطفل وتنشئته التنشئة السليمة.
إن ولادة الطفل تمثل تحولاً هاماً في نمط حياته، حيث ينتقل فجأة من عالم داخلي مغلق إلى عالم خارجي مليء بالمثيرات والتحديات وظروف جديدة تماماً من البيئة الهوائية ذات العدد اللامتناهي من المهيجات المتبدلة غالباً، ذلك العالم الذي يفرض عليه أن يرتقي من مخلوق عاجز إلى شخصية عاقلة.
وتتراوح فترة الولادة الحديثة بين خمسة وسبعة أيام وخلال هذا الوقت يكون الطفل الصغير آخذاً في الشفاء من التحول الفيزيولوجي الذي سببته الولادة ومباشراً في إقامة توازن مع بيئته فقط، إن الكثير من أنواع السلوك التي يبديها المولود الجديد كالرضاعة والبحث عن حلمة الثدي، أو الملاحقة البصرية لضوء متحرك لا تستخدم القشرة الدماغية، بل تحدث بواسطة أقسام الدماغ الأسبق تكويناً ، ومع ذلك فإن المولود الجديد هو عضوية قادرة على نحو ملحوظ، منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها بالتنفس، على الرؤية والسمع والشم وهو حساس للألم واللمس وإلى أي تغيير في وضعه وهو مستعد بيولوجياً لمواجهة معظم الاحساسات الأساسية لنوعه منذ لحظة الولادة.
الخصائص العامة للمولود حديثاً :
إن حياة الطفل في الظروف الجديدة تضمنها الآليات الفطرية، فهو يولد مع استعداد معين من جانب الجهاز العصبي للتكيف مع الظروف الخارجية وبعد الولادة مباشرة تبدأ بالعمل المنعكسات التي تؤمّن عمل الجهازين الأساسين للجسم «التنفس، الدورة الدموية».
يمكن للمرء أن يلاحظ في الأيام الأولى من حياة الرضيع أنّ تهيج الجلد يثير لدى الرضيع تشنجاً، وتلألؤ الضوء أمام وجهه يثير تقطيب الحاجبين والاشتداد الحاد لسطوع الضوء يثير تضيقاً لبؤبؤ العين.. تلك المنعكسات تدعى بالمنعكسات الوقائية، إنها موجهة نحو تخفيف مفعول المهيجات.
وبالإضافة إلى ردود الأفعال الدماغية يمكن أن نلاحظ لدى المولودين الجدد ردود أفعال موجهة نحو الاتصال بالمهيج وهو ما يعرف بالمنعكسات الاستهدائية، فقد ثبت بالمعاينات أن مصدر الضوء الشديد يثير لدى الطفل في فترة الأيام الثلاثة الأولى استدارة الرأس: ففي غرفة بمشفى التوليد تكون رؤوس معظم المولودين الجدد موجهة في اليوم المشمس باتجاه الضوء شأنها شأن دوار الشمس، كما بُرهن على أنّ طبيعة المولودين الجدد في الأيام الأولى تتبع مصدر الضوء المتحرك ببطء، إن المحلل البصري يُعَدُّ العضو الوحيد من نوعه المزود بردود أفعال استهدائية منذ لحظة الولادة. والنشاط الاستهدائي ليس فطرياً بالولادة… ففي عملية التخالط مع الكبار يكتسب الطفل مزايا بشرية بحتة كحب الاطلاع والطموح إلى كسب المعارف وتبيان الحقيقة. وفي المراحل المبكرة من التطور تتكون الأعمال الاستهدائية أولاً على أساس منعكسات الدفاع الفطرية وثانياً على أساس الانطباعات عن العالم الخارجي وثالثاً على أساس أعمالٍ خاصة ينظمها الكبار.