إبحار في تجربة القصّ .. قراءة في قصة "أنا جنونك" للشاعرة ريتا عودة.ريتا شاعرة خرجت من ثوب الموازي، لتخطّ درباً رصفت أرضيته بصدق الحروف.. ونثرت في فضائه سحر المفردات، وطوّرت تفاصيل الحدث فامتزج برحيق لغة ممتطية أجنحة سنونوات.. فاستولدت من القصيدة قصيدة..
شاعرة ملأت كلماتها بعذب موسيقا.. فأطربت دون
أن تلتزم رتماً أو قافية.. بل جعلت الروح تنطق، تتبدّل على أوتار النسمات.. تارة دافئة.. وتارة باردة، لكنها كلّها صدى أنات موجعات، وزغاريد فرح، ترسم لوحة الأنثى بريشة رهيفة.. تستكين حدّ الانهيار.. وتتمرّد حد الثورة.. فتحسبها.. تتمناها تكون
بين ذراعيك.. تنبض بك، وتنثر مفرداتها بين يديك.
هذه ر. التي عرفتها شاعرة..
هنا.. على عتبات إبداع جديد، تشقّّ بعنفوان المعرفة، وذات الدفق الصادق، عتمات الأحداث فتغمرها بلغة الموسيقا ذاتها. تبلّل جفاف الحزن، فيأتيك على أجنحة غادرت مداراتها اللحظة، وحملتك معها إلى عالمها القلق.
يبدؤك العنوان (أنا جنونك.! ) أليس عنواناً إشكالياً.؟ أيّ جنون هو.؟ وأيّ محرّض هو.؟ بل أيّ
الجنون الجنون.؟ فتُبحر قبل أن تبحر في النص، ترسم خطوط الوعي فتداهمك الكلمات فتفشل في تركيز الحدس..
ولأنها تدرك قبل أن ترتكب جنون الكتابة أن شكوكها أوهام.. يبدأ وقع المونولوج بـ "أنا جنونك.!" وهذا الـ
أنا في خطاب اللاوعي
هو ذلك الآخر الساكن في كلّ واحد منا.. يبثّنا الشك، والهم، والصفاء، والقلق.. الـ أنا ترفض وتتمرد.! والآخر الحقيقي يتسلّق المفردة ويبني عليها برج وهم.. تأتي "أنا جنونك" في مبتدأ الكلام تعترف الكاتبة أنها شبح جنون قبل أن تلج بحر الكلام، وتهدم سلفاً برج الإقصاء، ورغبة الابتعاد، وبذور الفتنة.. فينتصر الرويّ..
هل هي قصّة.؟ خاطرة.؟ بوح.؟ اعتراف.؟ ألم.؟
ربما كلها في آن تحت عنوان إشكالي. وعبر مونولوج يتقن فنّ الحوار، لم يكفّ
عن الخوض في فعل السؤال بين قلب ينبض بالحب، وخوف من فقد هذا الحب.. بين براءة في رجاء إخلاص ليس له حدود. ورغبة مشروعة في مطلق التملّك، وبين متاهات رعب في تسرّب هذا الرجاء.. وبين.. وبين، تتواصل الأسئلة.. ويتواصل الرفض.. ويسمو عبق الكلام. (لست الأمير الذي سيأتيني بفردة حذاء على قدّ أحلامي) يأتي الموروث ليكرس فعل التمنّي.. أليست رومانسية مسافرة إلى أقصى حدود الشفق على أجنحة عاشقة حتى النخاع.؟
ومن تراه يملك تلك الحقيقة المطلقة.؟ ومن يملك القدرة على الإقناع بلا حدود وتوطين الهدأة في قلبٍ قلق.؟ تقف الذات بعد رجفة السؤال لتقول بهمس راجف (ذابَ ثلجُهَ، فتدفّق خارج الغرفة) الثلج يذوب يصير ماء يتسرّب عبر شقوق ولا يعود إلى شكل.. لماذا إذن تعود الأسئلة.؟ ومِن "أنا جنونك.؟" (صرختُ بها ثانية إياكِ أن تصدّقي) (صرختُ ثالثة إياكِ يا مجنونة إياكِ.. إياكِ)
فهل ينتصر الجنون على الحسّ.؟ وإلى متى يواصل الجنون ركوب العجلات الضبابية.؟ ويوشك الجنون "أنا جنونك" وهو يرمي آخر سهم في وجه الحب رفع راية استسلام (بسطتُ أصفادي حول دماغها في محاولة مستبسلة للجمها عن الاستماع لصوته) محال أن يُكبّل صوت الحقيقة.. محال أن يلفظ القلب من مخر عبابه وسكن.. وعلى أنقاض المونولوج بين أناها وجنونها تهبط هادئة راسيات الأمل، وتستكين على هدأة قرار (وقعتُ أنا كورقة خريف صفراء.. وغبتُ عن الوعي)
في نقطة النهاية هذه تعيدُ الكاتبة فتح الأبواب على رؤى إشكالية كثيرة.. إذ ما معنى أن تغيب عن الوعي.؟ هل هو استسلام لحب متمكّن.؟ أم هو وجع صدمة.؟ قصّة أم خاطرة أم اعتراف أم قصيدة.؟ ربما كلها في نصّ حمل كثير تكثيف، والتقط بليونة نبض حالة مكانها في كيان، وزمانها مطلق، تخرج عن شروط القصّ لتدخل في صميم القص.. حفنة هواء في راحة يد.. وهل أصعب من الإمساك بهواء.؟
"أنا جنونك" قصة باذخة بطيوف حداثة حقيقية متكئة على عوامل تكثيف كان يمكن أن تتكثّف أكثر، وكان يمكن أن تنفتح أكثر، وكان يمكن للكاتبة أن تثريها بكثير أحداث، وكثير دفء لو أعملت فيها اهتماماً أكثر. لكنها أتت هكذا تعلن بأن روح الشِعر متى تخلّل قصة بعث في جفافها نسيمات جمال..(القصة متوفرة في موقع الحوار المتمدن)*
المزيد من المراجعات حول أنا جنونك