كتب طه حسين سيرته الذاتيه لنفسه،فكان أمينا حكيما ،لم يبالغ فى مدح نفسه أو ذم غيره ،ولكنه روى ماكان من امر الناس و
أمره فأبدع وقص ماكان من أمر الصبا والعمى فأوجع. بدأ طه بالتحدث عن الصبا وما كان من امره ،كان امام بيته سياجا يحبه ولكنه لا يستطيع السير فيه لان القصب الذى يكسو أرضه كان يحول بينه وبينه ،وكان يتمنى لو يصير أرنبا يقفز من فوق القصب أو يسير من بين عيدانه ،وهكذا أحب السياج وأحب جلوسه فيه ليلا حين يأتى الشاعر يتحدث بصوت عذب عن دياب وغيره،وكان يكره أن تاتى أخته لتحمله الى الداخل بين يديها وكأنه الثمامة لتضعه على فخذ أمه .كان يكره الليل لأنه مملوء بالعفاريت التى ربما تغمزه وهو نائم ان لم يغطى كل شئ فيه حتى وجهه.ويظل كذلك حتى تشرق شمس النهار فيذهب إلى الكتاب ليحفظ القران ،ويعرج فى طريق العودة إلى الكوكب الآخر ،نعم انها تلك القناة التى تقع على بعد من المنزل والتى كان يشعر ان عندها نهاية الدنيا حيث لا يستطيع اى شخص عبورها لعمقها واتساع حجمها وملئها بالحيتان والتماسيح دون أن يدرك لوهلة كيف أن القناة صغيرة يستطيع الرجل البالغ ان يثب بين شاطئيها جيئة وذهابا ولا أن المرء يستطيع السير بها وهى مملوءة بالماء فلا يصل الماء إبطية ،ولكن هكذا تخيل الصبى وهكذا رسم شطئان دنياه،ومرت ألأيام حتى أتم حفظ القران و لقب بالشيخ ،وظل سعيد بلقبه حتى جاء يوم قرر فيه الشيخ -والد الصبى -أن يمتحنه امام بعض أصدقائه وفشل الصبى فشلا ذريعا وقام ذليلا خزينا لا يدرى أيلوم على نفسه لآنه نسى القران ،أم يلوم على الشيخ لآنه أهمله ،أم يلوم على والده لأنه امتحنه،واجتهد الصبى فى الحفظ حتى اتمه ورسخه فى قلبه استعدادا للسفر إلى القاهرة حتى يلتحق بالازهر مع أخاه ألأزهرى ،وكتب طه فى مذكراته كيف انه ثالث عشر إخوته من ابيه وحادى عشر إخوته من أمه وكيف ماتت صغرى إخواته نتيجة ألإهمال وكيف مات أذكى إخوته بعد أن التحق بمدرسة الطب نتيجة إصابته بالكوليرا ،وذكر أنه وإن نسى الجميع لم ينسى فتى مدرسة الطب ،وأنه إن صمت فبكى فقد تذكره،وأن طعم فأبى فقد طاف بفكره ،وقال نسى الفتى الجميع ولم يتذكروا من أمره إلا لماما
إلا أنا وأمه.ومرت ألأيام دهرا والتحق الصبى بالأزهر وذاق من شظف العيش ماذاق وتجرع من كأس ألإهمال ما تجرع دون أن يخبر أباه وأمه حتى لا يثير شفقتهم عليه ،ولم يذكر كيف أن أخاه ألأكبر كان يسأثر باللبن وحده ولكن الفتى صبر وتجلد ورغب بالتعلم، فحفظ الفية بن مالك ودرس التوحيد فلم يكل أو يمل رغم بؤس العيش،وقد كان ما يحرك الفتى رغبته أن يكون مثل أخاه ألأزهرى لما يرى من إ‘هتمام أهل القرية به ومن تقديرهم له ،دون أن يفكر الفتى أن شأنه سيرتفع وأن ذكره سيعلو فى ألآفاق وكأنه محمولا على أجنحة الطير.وأنهى حسين الجزء ألأول متحدثا إلى ابنته ذات التسعة أعوام مصارحا إياها بأنه يخفى الكثير من مآسي طفولته عنها شفقة بها ورحمة بصغر سنها ،وأنه ربما قال المزيد حين يشتد أزرها ويقوى إدراكها فتفخربه لا أن تتألم لأجله . .
المزيد من المراجعات حول ألأيام (الجزء ألأول)