رواية "حضرة المحترم" للأديب العالمى نجيب محفوظ
على الصعيد
المباشر
تحكي رواية ـ حضرة المحترم ـ نضال " عثمان بيومي " الذي التحق موظفاً صغيراً في قسم المحفوظات في إحدى إدارات الدولة ، وقد نال شهادة ـ البكالوريا ـ معتمدا على نفسه بعد وفاة والديه الكادحين ، وهو يطمح منذ البداية لأن يصير مديراً عاماً للإدارة ، فينال إجازة في الحقوق ، وينهل من منابع الثقافة العامة ، ويوطد علاقاته برؤسائه من خلال الاجتهاد والاستقامة ويبدأ بالادخار استعدادا للزواج من فتاة تكون سبيله إلى العلاء،ولكن الزمن يتسرب من خلال أصابعه ، وقد أعرض عن الزواج من اثنتين أحبهما في فترتين متباعدتين من حياته ، هما " سيدة " و " أنيسة " لأنهما لا تقدمان له ما يبغي من زواجه ،فإذا هو لا يجد عزاء إلا في وصاله الجسدي لقدريّة ـ البغي الغانية ـ ولقد أفسحت له الظروف مجال الترقي فصار مديراً للإدارة ، ولكنه في لحظة يأس وافتقار إلى الحب الحقيقي تزوج من " قدرية " وحين أخفق معها تزوج ثانية من سكرتيرته ( راضية ) وفي اللحظة التي صمّم فيها على الإنجاب والتخلي عن حلمه بالدرجة العظيمة ومنصب المدير العام جاءه قرار تعيينه وهو على فراش المرض فقضى بلا حب دافئ ، وبلا ذرية ، ودون أن يباشر الحكم من إدارته .
هذا ملخص الرواية على الصعيد الواقعي المباشر ، حيث تبدو قصة عادية عن إنسان شغله طموحه الفردي عن المشاركة الجماعية في بناء الحياة ، فاستغنى عن الحب الحقيقي في سبيل مجد وهمي ، فأوردته الدرب التي أخفق في أن ينجو منها إلى ـ راضية ـ وقد هدّته الكهولة .
أما على الصعيد التجريدي الفلسفي
فلا أنكر أن تفسير الرواية شاق يتطلب من الناقد المزيد من الإمعان والتأمل ولذلك فإن ما سأقوله هو مجرد اجتهاد قد يكون إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب . فعثمان البيومي ـ المنحدر ـ من أصل وضيع فقير هو ابن سائق " كارو " أمضى حياته في شظف العيش وقسوته ( يذكرنا ) منشؤه بعلي عويس في ( حكاية بلا بداية و نهاية ) ماتت أمه أيضا وهي تعمل .. حيث يستقي محفوظ فكرة ( شقاء الأبوين ) من المأساة الدينية ، كما وردت في الكتب السماوية ، فقد طرد الله آدم وحواء من الجنة ،وقذفهما إلى الأرض كي يشقيا ، ولن يعودا إلى النعيم إلا بالجهد والعرق ، وهذه المأساة يكررها محفوظ في أغلب رواياته ، وقد تبدت بشكلها التسجيلي عند أدهم وأميمة حين أغواهما إدريس ، فطردا في ، أولاد حارتنا . ولقد كان على عثمان بيومي أن يعرف لنفسه طريقا ولحياته هدفاً ، إنه ( منذ أن دخل الإدارة ـ موظفا ـ شغفه ( المثال ) القوي القادر القابع وراء المكتب الفخم ـ ودعاه نداء القوة للسجود ـ ولكنه سلك سلوك التقوى والابتهال والطاعة قال صاحب السعادة ـ المدير العام (حققوا المأمول منكم بالاجتهاد والاستقامة ) وعلى ضوء النار المقدسة ، لمح عثمان بيومي معنى الحياة ( أما على الأرض فقد قرر إلحاقه بالمحفوظات، هبط إلى قصره الجديد وجناحاه ترفرفان ) وكان يردد :( النهاية هي ما ينشده الإنسان).