فالديوان يحتوى على تجارب شعرية حديثة متطورة،غير أن ملامح الحداثة والتجديد لدى "كمال مهدى" تختلف كثيرًا عن ملامح عن ملامح
الحداثة لدى الكثيرين من أبناء جيله التسعينى؛فالشاعر محسوب على جيل التسعينات السكندرى ،غير أن ما يلفت النظر فى شعره أنه لم ينجذب لما انجذب إليه الكثيرون من دعاوى الحداثة و "الأدونيسية" المنقولة والمستنسخة من حداثة أوربية مضى عليها ما يقرب من قرن .و يطول الحديث لو أننا حاولنا تلمس هذه الملامح فى كل ما تضمنه ديوان "يوم يكون الراعى" من قصائد،لذلك فإننا نكون مضطرين للكشف السريع عن خصائص وملامح هذا التميز الذى ينطوى عليه بالتطبيق لما أبديناه :
1- و لعل أول ما يستوقفنا هو ما يتسم به الخطاب الشعرى لدى"كمال مهدى" فيما يتعلق ببنائه التصويرى والتعبير؛ففى كثير من التجارب يلجأ الشاعر – بعفوية – إلى الخطاب الذاتى أو المونولوج،الأمر الذى يشــــى ابتداءً بأننا بصــدد تجربة ذاتية خاصة،كــما هــو الشأن فى قصيدته (كيف تفصــح عن جنونك) ص 99 ،غير أن هذا البث يكشف عن تداخل صوت آخر فى حوارية ذاتية و غيرية فى آن.
إن التداخل الصوتى هنا يعمق التجربة ويكشف عن امكانيات تعبيرية تنأى عن التقليد وتنطلق بعييدًا عن نطاق المباشرة،غير أنها لا تضع سدودًا بين مدلولها الايحائى تحول دون تفاعل المتلقى.فالتجربة الشعورية هنا تكشف عن الصراع النفسى والفكرى الذى تفرضه ملامح العصر المادى الذى آثر الشاعر أن يخرج منه بريئًا ويتجلى ذلك بإضاءة تعبيرية أكثر كشفًا فى دفقةٍ تالية من دفقات هذه القصيدة ذات البناء المتماسك حيث يقول :
قد كنت أغسل تحت ظل السدر أفئدة الحمام/و يالهم عنى تنحـــــو./كذبتهم وكتبت ظنى سوسنات..ص 100 الديوان"
2- وحينما يكون البث الشعرى موجهًـــا إلى الآخر،فإننا لا نلمح انفصالا تامًــا بين الآخر والمخاطَــب وبين الذات. ذلك أن القضية عامة والهمّ متوحّد من شأنه أن ينتج وشيجة قوية تذوب فيها الضمائر المنفصلة ظاهريًــا،و ذلك يتجلى فى قصيدة متميزة بعنوان"الشهيد" – ص 15 –الشاعر هنا لا يعبر عنها تعبيرًا يجنح إلى الغيرية و المباشرة والتفاعل السطحى..الخطاب هنا موجه إلى الشهيد،لكنه – أيضًا – موجه إلى الأمة برموزها،و أيضًا إلى الذات؛يؤنب ويستحث ويستنهض فى وقت واحد :
ترجلت....
منفردًا أنت من سورة "العاديات"/و هم حزمةٌ فى رباطٍ وطيد
يشــــدُّ عراهم
و يمتد من حشرجات المداد إلى ثيــّـبات الخيــــول
فعيناك حقـًـا "معوذتان" تورطتا فى النزول
3- والشاعر مهموم مهموم بقضايا أمته و وطنه،،يدرك من خلال رؤيته الآنية و الاستشراقية ما يحيط بها من مخططات عدائية و ما يشقها من غزو خبيث لذا هويشخص الأوجاع ويحذر من التمادى فى غىٍّ هذه المخططات التغريبية والانخداع بها أو الاستسلام لمغرياتها الذائفة.. فى قصيدته (أليس لنا كرةٌ ثانية؟)ص41:
تُـقرّونه فى المناهــــج
لكنه كالوبـــــاء الأليف
يعرّى نبوءته فى الطريق
ليحمله السائرون إلى قاعة الهولوكست
4- و إذا كان عدد من الحداثيين – وفق المنظور الادونيسى –،يطرحون هذا الهم من خلال بناء لغوى مشتت الدلالة،ساعيًا بكل طاقته إلى الإغماض والطلسمة،معتقدين أن سحر الشعر وجاذبيته لا ينبع إلا من الضباب"السوريالى" ،فإن "كمال مهدى" يتخذ التحديث والتجديد منهجًا لآدائه الشعرى وفق منهج مختلف كل الاختلاف عن هذا الصنف ؛فجينات قصائده واضحة الدلالة فى مصريتها وجنوبيتها وعروبتها الأصيلة فى بعض قصائده تتألق صورة الأب..والجدة..و الأم تراقب حال الفروع تغذوها بحكمة الماضى و ومض القيم،توجهها فى شطحاتها، ولعل من أجمل القصائد التى انطلقت من خلال هذه الرؤية الشمولية قصيدة"تبارك الرميم" ص 49 حيث يقول:
جدتى كعهدها فى غفوة السجود/تحتبى بالمسبحة/ثم تشدّ من عصابتى بقية الرّبا/و تكمل السعــال
ويجنح التعبير الشعرى إلى التشابك وتنوع العناصر و المفردات التشكيلية لكننا لا نصل إلى التعتيم الكامل أو السوريالية التى تطمس الرؤية :
و جـــدتى/تهيـــــأت/و أومأت لموقع "البرواز"/جـــففت مكانها/تساندت فى غفلة الموتى/على وشاية الألوان والفرشاة
و على الرغم من ان الشاعر قد آثر الشكل الأدائى الحديث،و فى الوقت ذاته لم يجنح إلى التشكيل التصويرى ذى التشابك الغامض المبهم،فإنه أيضًا كان حريصًا على أن ينطوى بــثه الشعرى على عامل جذب مهم وهو الموسيقى.
5- ويتخذ التحديث المرتبط بالجذور فى ديوان "كمال مهدى" بعدًا فنيًا تشكيليًا آخر،يتمثل فى المزاوجة بين الأداء السطرى التفعيلى للقصيدة،و الأداء الشطرى المقطعى فى تضفير مبــرأ من الافتعال و التـــامل فى قصيدته"مفردات العيس" ص 29 سوف يقضى إلى تلك الخصيصة. القصيدة زاخرة بمفردات عربية تراثية لها دلالتها القديمة الممتدة و التى لا يتحدد تأويلها بالمعاصرة والجدة،و ذلك فى تجربة شعورية تستدعى دلالتها ليلتقى بالحاضر..إننا كما هو الشأن فى قصائد الديوان نكون بصدد مزاوجة بين الخاص والعام تصل إلى حد التوحد،فالهمّ العام هو همّ الشاعر،ونبضه هونبض قلب أمته،و معاناتها التى تعانيها تدفعه إلى البـــوح الحـــزين و الأمل فى الوقت نفسه..إنه يستشرف الخلاص فى الغــــد المأمــــول من خلال رؤية تربــــط بـين المــــاضى و الحاضر
ومن بعد فالحديث عن هذا الديوان بحيث يشمل الوقوف المتأنى و المتأمل أمام ملامحه الفنية بغية التفضيل التطبيقى لما أوجزناه منظرًا فى مستهل هذه المقالة يستدعى مساحة تاملية أكبر و جهدًا يستحقه هذا الديوان المتميز لشاعر يحسن اختيار منهجه الشعرى،و ينطلق من منظور بصير للتجديد المرجو والتحديث المامول الذى لا يبيع ثمين تراثه،بغثاءٍ تغريبى يفقد شعرنا العربى هويته و تأثيره،و يقضى إلى إبداع زائفو ثقافة مظلمة المضمون،ة نأمل أن تتيسر لنا و لغيرنا تلك الوقفة التأملية التحليلية ذات المساحة الطويلة و الأبعاد المديدة لهذا الديوان الذى هو أهل للاهتمام به.