امرأة الليل ( 1 )
فى الليل تنتعش ، تركض، ترقص ….تدب الأرض بأقدام حافية ، تنتعل الحفي انتعالا،
في الليل تثرثر كثيرا مع نفسها، وتجلجل ضحكاتها تملأ الأفق ضجيجا وصخبا، يمنحها الليل طاقات نجومه واقماره .
في الليل يحدوها الأمل في غد تهاجر فيه الأشجان مدائنها ، غد تهادن فيه الحزن وتصادق الفرح الذي تتطوق إلى تذوقه ، وتشتاق إلى معايشته بكل تفاصيله ، كما عاشت الحزن بكل تفاصيله.
الليل يهبها قوة رهيبة ويحيلها الى امرأة صامدة محاربه قوية كصخرة منحوتة على ربوة عالية ، مهما ضربتها الامواج لا تتحطم ولا تتزلزل .
( 2 )
ومع بداية النهار، يتبدد الحال ، وتستيقظ الأحزان مع أول خيوط الشمس الذهبية ، يطرق بابها الألم ويعاود قلبها ، الأنين من جديد ، ويمارس العقل لعبة التذكر واستعادة ما ألم من الصور والذكريات….
تندهش هى وتتسائل لماذا يتبدل الحال ؟ ! !
لماذا تتبدد طاقاتها وتغيم سمائها !!
، لماذا تتقوقع داخل شرنقة غزلتها أحاسيس العزلة والغربة ، تندهش هى من نهارها الصامت…
أين كل تلك الثرثرات الليلية ؟ ! لماذا تندثرويحل محلها صمت القبور نهارا….
ولا يستطع لسانها النطق حتى بالهمسات ، وتجهل الشفاه رسم الضحكات !!!!!
لماذا يخبو الأمل الذى يتجدد ليلا وينتحر نهارا ، فتنزوي فى فراشها هامدة ،خاملة ما بين النوم واليقظة ، وتحاصرها كل أوجاع الدنيا ، فى حين يسامرها السهر ليلا ، وتزول عنها الاوجاع ، وتدب العافية والحيوية فى أوصالها …
لماذا نهارها أسود وليلها مضاء ؟؟
( 3 )
وفجأة وهي سابحة في افكارها تتأمل حالها ،دوى صوت عنيف اخترق أذنيها :
آين أنتِ ؟؟
أمازلتِ نائمة ، قومي ، أعدي لي الحمام وجهزي الطعام …. ثم اكتئبي براحتك ….
ورغم إنها اعتادت هذا الصوت جيدا إلا إنه مازال يرعبها سماعه للوهلة الأولى، فهي تعرفه منذ بواكير انوثتها ، حينما كانت في السادسة عشر من عمرها ،
لا تدع شرف المقاومة، فقد استسلمت منذ أول جولة أمام دموع أمها المريضة و ………. وتزوجته ….. وامتد زواجهما ثلاثة وعشرون عاما، كبرت هي وكبر هو، أسفر هذا الزواج عن ابنه وحيدة تزوجت منذ عدة شهور مضت ومنذ زواج ابنتها الوحيدة وهي أسيرة الوحدة والأغتراب ، فلم يعد لها أى هدف تستمر من أجله حياة بلا لون ، بلا نكهة ، بلا أحساس ، وأخذت تدور فى فلك دائرة اكتئابية ، ما أن تخرج منها حتى تعود إليها سريعا، مع اقدامها مرتين على الإنتحار…
أما هو فيخرج كل يوم بعد المغرب الى البازار الذى يمتلكه فى إحدى الفنادق الكبرى،ويقضى الليل كله خارج المنزل ، ولا يعود إلا فى الصباح مع ذات الخيوط الذهبية عند أول نقطة تبدأ منها رحلة استيقاظ احزانها وممارسة الألم طقوسه معها ….وهنا فقط ادركت اجابات اسئلتها الحائرة …..
وأدركت أن الحياة طفل يتيم بداخلها يفقد أمه نهارا ويستعيدها ليلا .