الآمل القريب البعيد
عبر الهاتف تدفق الصوت العميق الدافئ
مساء
الخير هل ايقزتك؟
ابتسمت كانت مستيقظة تقرأ كعادتها قبل النوم..
ـ لا لم أنم بعد.
ـ هذا أفضل، أنا أيضا لا أستطيع النوم كيف هي والدتك اليوم؟
ـ أفضل بكثير، هذا الصباح أرادت أن تخرج و كان علي أن…
قاطعها..
ـ أحبك…
شعرت أن قلبها يغوص في أعماقها تظاهرت بعدم سماعها واصلت..
ـ كان علي أن أتوسل إليها حتى..
قاطعها مرة أخرى..
ـ أحبك…
امتلأت عيونها بالدموع، تركت فترة من الصمت تمضي حتى تسترجع أنفاسها أخيرا سألته:
ـ متى تعود؟
كان صوتها خافتا حتى أنها خشيت ألا يسمعها لكنه أجاب
ـ غدا صباحا.
ـ إلى الغد إذا.
أقفلت الخط.
الغد، فجأة تتخذ الكلمة بعدا جديدا…
سنوات مضت، و هي لا تفكر بهذا الغد و لا تحلم به، حياتها منصبة على اليوم فقط
اليوم أصحب كريم إلى المدرسة، بعدها أرافق أمي إلى الطبيب، في المساء أزور وردة.
خمس سنوات…
لم يكن قد مضى على زواجها عدة أشهر عندما أطاحت رصاصة غادرة بزوجها،
وحيد كان إنسانا مسالما لا له و لا عليه، لم يعرف أنه شهور فقط بعد تخرجه من كلية الشرطة
ستنقلب الأوضاع في البلاد و يصبح كل من يرتدي زيا رسميا هدفا لرصاص القتلة.
هكذا صارت هي و ابنها الذي لما يرى النور بعد من ضحايا المأساة الوطنية.
المأساة الوطنية، اسم جميل لكنه لا يغطي فظاعة ما حدث و لا يمحو سنوات الدم و الدموع التي
أغرقت البلاد لأزيد من عقد.
سألها كريم يوما: أمي ما معنى المأساة الوطنية؟
أرادت أن تقول له:
ـ معناه أن هناك من لم يحترم قواعد اللعبة التي اخترعوها ليواصلوا نهب البلاد بكل حرية فقرر قلب الطاولة.
ـ معناه أن بقاءهم في كراسيهم أهم من الشعب.
ـ معناه أنه لا قيمة لموتنا تماما كما أنه لا قيمة لحياتنا.
لكن لا..
منذ ظهر في حياتها لم تعد تشعر أن حياتها بلا معنى.
كانت تساعد كريم في انجاز فروضه و والدتها تتابع التلفزيون عندما دق الباب.
فتحت، وجدت أمامها رجلا شامخا و رغم بعض الخصلات الفضية في شعره كان مظهره يوحي بالشباب و القوة.
كان ينظر إليها و على وجهه شبه ابتسامة.سألته بلهجة جافة و قد ضايقتها الطريقة التي ينظر بها إليها:
ـ ماذا تريد؟
ـ هذا منزل الحاج؟
قبل أن تجيب سمعت شهقة أمها:
ـ فؤاد
أسرعت إليه تضمه، كانت دموع والدتها تسيل بينما راح هو يغالب دمعه.
هو إذا ذاك الذي سرقته الغربة منذ سنين.
متى عاد إلى الجزائر آخر مرة؟ ست أو سبع سنوات عندما توفيت والدته خالتها، عاد لحضور جنازة
والدته بقي لأيام ثم عاد لغربته من جديد.
ـ لا تبق على الباب تفضل.
كأنما انتبها لوجودها قالت والدتها:
هذه نورة هل عرفتها؟
نظر إليها مبتسما:
ـ نعم، آخر مرة رأيتها كانت تلعب بدراجة ذات ثلاث عجلات.
ضحكوا…
قال أنه جاء إلى الجزائر في مهمة عمل و أنه لم يكن بإمكانه أن يكون هنا و لا يأتي لزيارتهم
ـ لقد تعبت من الغربة و قد قررت أن أعود
ـ و زوجتك و أبناءك؟ سألت والدتها.
ـ عندي ابنة واحدة و هي بالجامعة أما زوجتي فقد انفصلت عنها منذ سنتين.
فيما بعد حكى لها تفاصيل غربته و حاجته إلى الراحة بعد طول تعب.
ـ عندما رأيتكم أحسست أن عمرا جديدا وهب لي و أني عدت للحياة من جديد.
هل يمكن للحب أن يختصر العمر في لحظات؟
هذا ما شعرت به خلال الأيام التي قضاها برفقتهم قبل مغادرته توعكت والدتها وعدها أن يظل على
اتصال و ها هو يعترف لها بحبه.
.و ها هو الغد يتخذ معه بعدا آخر…
حاولت أن تنام و في ذهنها صورة العائد غدا.
لم يكن حبه صدفة و إنما حلما تعتق على مهل…
أيقظها صوت الهاتف صباحا
على الطرف الأخر كان الصوت لامرأة تتحدث الفرنسية بلكنة غريبة
ـ نعم من معي؟
ـ نورة أنا زوجة فؤاد أقصد زوجته السابقة.
تسارعت نبضات قلبها
ـ أتصل بك بطلب من فؤاد
مرت فترة من الصمت قبل أن تواصل المرأة حديثها:
ـ كان فؤاد يستعد للذهاب إلى المطار عندما أصيب بأزمة قلبية.
ـ كيف هو الآن؟
ـ يؤسفني أن أنقل لك خبر موته.
حتى بعد أن سمعت تكة على الطرف الآخر ظلت فترة طويلة ممسكة بالسماعة تنظر في الفراغ قبل أن
تنهار على الأرض تبكي.