.
الفكرة الواضحة فكرة مقنعة لأول وهلة. ثم إن الوضوح في بيان وجهة نظر ما متغيرة مهمة من متغيرات استعمال الأسلوب،
اليوم.. هذا المرسام الإعلامي جد منتشر حاليا لدرجة أنه لم يعد من الممكن التفطن إلى حقيقة أن الوضوح والشفافية ليستا إلا حيلة لا أكثر تستعمل في عرض وجهة نظر ما بغية حبسنا في الرسالة.
لطالما أكب أهل الخطابة على السفسطات وغيرها من التلاعبات بالبراهين التي كانت تجبر المستمعين الحاضرين على قبول وجهة نظر ما انطلاقا من استدلال خاطئ. ويطرح الإشكال اليوم على هذه الصورة أقل من ذي قبل، و لكنه يظل مع ذلك مطروحا.
3- الحجاج: استدلال تواصلي
إن محاولة إيجاد تعريف جذري للحجاج على أساس أنه بالمرة عنصر من العناصر الأساسية في عالم التواصل و تمرين للعقل، ليصطدم منذ البداية بصعوبة لا ينبغي علينا الاستهانة بطبيعتها، طبيعة يمكننا صياغتها في هذه التساؤلات: هل يوجد الحجاج حقا؟ ا نصادف في حياتنا اليومية فعلا تواصليا مكونا فقط من استدلال يربط خطيبا ما بمستمعيه الحاضرين ويسمح بنقل وجهة نظر المرسل إلى المتلقي؟ ا من الممكن حقا أن نقتنع؟ أي أن نبدل في غالب الأحيان موقفنا بمحض إرادتنا بسبب حجة ما؟ أو بشكل آخر ألا يوجد هنالك بين العلاقات التي تربط البشر وهم يطلق عليه الحجاج غايته إخفاء حقيقة أن الأساس في التواصل الإستراتيجية والإغراء و السلطة؟
خطابة يغلب عليها الحجاج
ليس هذا السؤال بالمجرد و الغير تطبيقي، بل هو سؤال ظل يلاحق الباحثين في فن الخطابة منذ ميلاد هذا الفن. وتحتل الصدارة اليوم نظرية يطغى عليها الجانب الاجتماعي و تقول برؤية للواقع يرجع فيها الأمر برمته للسلطة وممارسة الإغراء واستعمال تقنيات التلاعب و التحايل، وتدع هذه النظرية فرصة ضئيلة للحجاج الذي تعرفه على أنه استدلال يستعمل أثناء الفعل التواصلي.
ونحن إذ نجازف بتضليل القارئ، على الأقل في البداية فقط، فإننا ننطلق هنا من فكرة مفادها أن بعض الشك يلقى دائما حول ما إذا كان هنالك فعل تواصلي مستقل بذاته يسمح بنقل وجهة نظر ما لشخص آخر، وذلك باللجوء إلى الحجاج وحده. ويتعزز هذا الشك بسبب كون المواقف التواصلية، كما ذكرنا في المقدمة، مواقف معقدة ومركبة من طبقات لا يمكن الفصل بينها وكذلك لأن النشاط الإنساني يثريها كلها في الوقت عينه.
ونستعين هنا بفكرتين من أجل تبديد هذا الشك القائم حول وجود الفعل الحجاجي. وترتكز الفكرة الأولى على التنوع الذي يميز المواقف بين البشر و منها الاستدلال، كعنصر من العناصر المكونة للتواصل. وأما الفكرة الثانية، وهي فكرة رئيسة أكثر مما تبدو عليه فتتعلق بالخاصية الغالبة: ينطوي الفعل الحجاجي على المجموعة الكاملة للتفاعلات الإنسانية، و يفترض أن يغلب الاستدلال ويطغى، وبالموازاة مع ذلك، فهو يهمش استدعاء الأحاسيس واللجوء إلى السلطة وحتى البرهان. ولا تغيب هذه العناصر الأخيرة عن الفعل الحجاجي. ويمكن التفكير هنا بطريقة يمكن من خلالها استغلال هذه العوامل المهمشة في خدمة رسالة الخاصية الغالبة و لكن من دون شلها: أي الإقناع باستخدام الاستدلال.
الإقناع بالحجة
إننا إذ ننطلق من هذا المنظور، فإننا نفرق هنا فيما يخص المصطلحات المستعملة، بين الخطابة كفن إقناع يعتمد على خاصيات غالبة أخرى كما هو حال فن الخطابة الإحساسي، وبين الحجاج بحصر المعنى، والذي تغلب عليه خاصية الاستدلال. الحجاج إذن، في ظل هذه الفكرة، هو إعطاء المستمعين الحضور حججا تجعلهم يصدقون ما يقال لهم.
لكن بالرغم من هاتين الفكرتين المهمتين، فيمكن للشك أن يظل قائما دائما حول إمكانية وجود الحجة أم لا وكذا الاستدلال في قلب الفعل الحجاجي.
ذلك أنه، في مجتمعا اليوم، وعلى صعيد ضيق و حسابي نوعا ما، جزء كبير من المؤسسات الرامية إلى إقناعنا والتي أسسها معاصرونا لها خاصيات غالبة أخرى غير الحجاج. وخير مثال على ذلك الإشهار والاتصال السياسي و بالتالي فنحن هنا نتكلم عن حالة راهنة بقدر ما نحن نتكلم عن حالة كامنة. نادرا ما تقوم دراسة الحجاج بمعزل عن الاهتمام بالديمقراطية، وبصفة عامة، بكل ما يدعم فكرة إمكانية قيام حوار حر مستحب بين البشر. والحجاج هو أيضا مساهمة كل منا على طريقته الخاصة في بناء صرح عالم ما إن يتعلق فيه الأمر بالدفاع عن وجهة نظر ما، حتى
ينتصر العقل، في حالة الضرورة، على المشاعر والجمالية، لكن من دون إنكارهما.
وتكمن الصعوبة الحقيقية في تأسيس عالم للعقل يكون هذا فيه منفصلا عن الإستدلال العلمي.
فرد فن الخطابة من قبل ديكارت ثم من قبل التقاليد العلمية يرتكز على الفكرة القائلة بأن لا عقل إلا في العلم، وأما ما غير ذلك فهو كله مشاعر ومؤثرات.
إن الحيز الجماهيري، كحيز للتحرير الديموقراطي، كما حلم به فلاسفة الأنوار، كان عليه أن يشكل مكانا ينتشر فيه العلم في الحياة اليومية للشعوب، وقد اصطدم هذا المشروع الطموح والمجرد أيضا بصعوبتين رئيستين، فأما الأولى فهي أن العلوم الدقيقة لا تتطرق إطلاقا لحياة الإنسان في المجتمع ولا يقودنا في اختيارتنا اليومية، إذ أنها ولحسن الحظ تصطدم بتعقد الإنسان
والحياة الاجتماعية، وإلا لكان خطر طغيان وكليانية العلم خطرا عظيما.
والمجتمع العقلاني، بصفة عامة، يشكل على الأرجح يوطوبيا حتمية بالنسبة للبشرية.
وأما الصعوبة الثانية فهي أن الأفراد في المجتمع لهم حججهم في التصرف حسنة كانت أم سيئة، وهي حجج تقوم على أساسها القيم الكبرى التي تشترك فيها المجتمعات الإنسانية.
وطبعا فإن هذه الحجج تخلط بالمشاعر وهذا على الأرجح أمر حسن.
وبالعودة إلى فكرة الخاصة الغالبة في التواصل، فإن الأساس هو معرفة أنه ممكن، بل ومستحب أن نكون في بعض الأحيان بصدد تواصل يهمش الاستدلال، خاصته الغالبة هي الأحاسيس والمشاعر، أو العكس في أحايين أخرى. و على سبيل المثال فأن الإبداعات التي تجود بها قريحة الإنسان تنتصر أحيانا على العقل والحجة. وبالمقابل فإن استخدام هذا الأخير يسمح بتجنب الصدامات في كل مكان يستحب تجنبها فيه.
تاريخ النشر: يونيو 15, 2009
المزيد من الملخصات بواسطة El_traductoR
More