.
والعبد لله شخصيا لا يعرف اذا كانت هذه القصص حقيقية ام من نسج الخيال , ولكنها على أية حال ترينا كيف أصبح رفعت بطلا
شعبيا مثل عنترة وأبوزيد الهلالى ينسج الناس حوله قصصا خرافية , ولكنها فى الوقت نفسه تترجم مشاعر الناس البسطاء نحو الرجل العظيم , وعندما كان رفعت حيا يقرا فى جامع فاضل باشا لم يكن أحد من المستمعين يتصايح أو يرفع عقيرته بعبارات الطرب والانسجام . كما يفعل المستمعون اليوم مع المشاهير من القراء .. كان فن رفعت الاصيل يجبرهم على الصمت ويقيدهم فى اماكنهم, يحتملون أحيانا فوق طاقتهم من ضيق المكان , ومن حرارة الجو ليستمعوا بالصوت العبقرى العظيم .
هذه الحقيقة البسيطة تكفى وحدها – دون حاجه للاساطير للدلاله على عبقرية صوته الغريب - .
وحقيقة أخرى أبلغ دلالة , فالغالبية العظمى من الاشرطة التى تذاع اليوم للشيخ محمد رفعت لم يكن للاذاعة فضل فيها , بل الفضل كله يرجع الى عشاق الشيخ الذين لم يكونوا على صلة صداقه أو معرفة بالشيخ , بل دفعهم الحب الصادق والاعتراف بعبقرية صاحب الصوت الى تسجيل كل سور القرآن دون ما هدف الا هدف الاحتفاظ بهذا التراث الخالد العظيم فنرى أحد البشوات هو زكريا مهران يحتفظ بتسجيلات الشيخ دون ان يكون قد راى الشيخ مرة فى حياته .
وهناك تاجر وطنى كبير وموظف سابق وعمدة من عمد الارياف يحتفظون بنفس الشىء لأنهم ادركوا بفطرتهم الفنيه السليمة ان هذا الشىء يجب الاحتفاظ به .. لأنه ثمين .
دليل الحكايات الخيالية والحكايات التى حدثت فعلا دليل خطير خلاصته ان هذا الشعب الذى ظلمناه طويلا ولا ينزال بعض أدبائنا الكبار وفنانيا الكبار - الكبار سنا - يتهمونه بفساد الذوق وعدم التقدير وعدم الاحساس الفنى . شعب أصيل . أًيل فى وعيه أصيل فى تذوقه , وتقديره للفن .. عل ىشرط أن يكون فنا حقيقيا يستحق التقدير .
وقد يقول قائل : ربما كان التقدير الذى حظى به رفعت راجعا الى حب الناس وتقديرهم للدين ، وهو قول غير صحيح .. فقد كان مع رفعت مجموعة من القراء لا يمكن حصرها .. ولاتجاهلها ، وكان من بينهم عباقرة لمعوا فجاة ثم طواهم النسيان , ولم يبق من بين الجموع الحاشدة الا رفعت وحده خير شاهد على ان الفن الاصيل يبقى ... وما عداه يزول!
وحتى بعد موت رفعت , وبعد ان ضاع أخلد أعماله .. وهو صوته , وبقيت عدة أشرطة قديمة سيئة التسجيل , بعضها يسىء الى رفعت أكثر مما يحسن اليه , رغم هذا كله , فقد أثبت الشعب أنه وفىّ وفاء منقطع النظير .
مثلا .. وهذه حقيقة وليست خرافة , أقسم أحد كبار الجزارين أن جسد العبقرى لن يدفن الا فى المقبرة التى أعدها له ، وكان قد أعد فى صمت وبلا ضجيج مقبرة عظيمة تليق بعظمة الراحل الكريم , وأصر الجزار الطيب على أن يحمل نعش الشيخ بنفس الى مثواه الاخير .
ووفد على ماتم الشيخ آلاف من مختلف أنحاء البلاد لم تكن لهم صلات بالشيخ الا صلة التقدير والاعجاب .
ولكن مفتى سوريا عندما سمع الخبر قال ولحيته مبللة بالدموع : رحم الله شبابه فقد جدد شباب الاسلام , ولايزال مجهولون كثيرون يزورون قبر الشيخ فى صمت ليقراوا الفاتحة على روح الفقيد , والى عهد قريب كانت فى العاصمة وأنحاء أخرى متفرقة من البلاد مقاه تخصص لمستمعى رفعت قاعات بداخلها ليستمتعوا بما بقى من فن الشيخ فى هدوء . وقد حدث أن قطعت محطه الاذاعه ارسالها أكثر من مرة لتذيع عل ىالناس بشرى العثور على شريط جديد للشيخ , ويذاع الشريط ويكون حديث الناس فى كل مكان , وسيظل رفعت حديث الاجيال كفنان عملاق الى زمن بعيد .
وسياتى يوم تصبح فيه للفنون الرفيعه الخالدة جامعه ,ويكون صوت محمد رفعت على رأس هذه الفنون , والسبب – كما أوضحنا من قبل – هو ان كل فن خالد جميل يجب ان يستمد وجوده من حياة الناس من فنون الشعب .
ولقد كتبت مرة سابقة عن رفعت , فقلت ان سبب خلوده يرجع الى أن صوته كان من السماء , والآن اعترف بخطئى وأعود فأقول ان سر خلود الشيخ يرجع لسبب واحد . أن صوته العبقرى نبع من آمال الناس والآمهم من أسواقهم وحواريهم , ومن أفراحهم الساذجة , وأحزانهم العنيفة , بعبارة أبسط .. لقد كان صوته من جذور الأرض , كان صوته هو صوت الشعب !
تاريخ النشر: يناير 16, 2008
المزيد من الملخصات بواسطة Ahlawy87
More