والقارىء فنان وبعضهم يستطيع أن يصبح مطربا ويبسط الناس ولكن القارىء يكسب أضعاف المطرب , انه لا يحتاج
الى مؤلف ولا الى تخت ولا الى كورس ولا الى ملحن , لأن الملحن هو علم أحكام القراءات . والشيخ
عبد الباسط لم يقرأ شعرا ولم يهتم بالشعراء , وسمع أن هناك رجلا اسمه شوقى , ولم يعلم ان كان حيا يرزق أو طواه القبر , ويعرف أن توفيق الحكيم هو رئيس الشعراء ,
وكان أحيانا يسمع الأغانى , وأحسن مطرب لديه كان محمد عبد الوهاب , وأحسن أغانيه هو
فى الليل لما خلى , وفايت على بيت الحبايب , وعبد الحليم حافظ مش بطال , وأم كلثوم معجزة , فلتة لن يجود بمثلها الزمان ! انها فى الطرب مثل
الشيخ محمد رفعت فى التلاوة , وكلاهما عبقرى وكلاهما فيه سحر من عند الله . ولكن أشرطة رفعت التى تذيعها الاذاعة الآن تسىء الى الشيخ انها صدى هزيل لصوته الحقيقى الذى هو بحق أعجوبة الزمان ! وكان يؤمن جدا بالحديث الشريف " اعمل لدنياك كانك تعيش أبدا , واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا " , وقد عمل لدنياه , أحب الاسفار والرحلات , وأنفق عن سعة وسكن فى شقة فاخرة , وكان فى مكتبه تليفون أخضر ,’ وكانت لديه عربة شيفرولية آخر موديل , وكما عمل لدنياه عمل لآخرته , ومن ضخمة , ولكنه لم يملك أرضا ولا نقودا , ولكنه كان يملك الستر , وكان دائما يسأل الله أن يديم الستر عليه ! . وكان يميل فى حياته للعزلة , كما كان يكره الاختلاط , وكانت وسيلته الوحيدة للاتصال بالناس هى الخطابات , وكان يضع فى درج مكتبه ألف صورة له يضعها فى خطابات فى لون البنفسج ويرسل بها الى المعجبين فى كل مكان . وكانت هوايته الوحيدة هى قضاء عدة أسابيع كل شتاء فى أسوان والاعتكاف فى منزله طوال العام والعبث بحبات مسبحة نادرة خضراء فى لون البرسيم ,, ولون السيارة والجبة .. والتليفون . ولكن ولأن الأقدار بيد
السماء على رأى عمنا زكريا الحجاوى يرحمه الله , فقد أصيب الشيخ عبد الباسط وهو فى ريعان شبابه وقمة مجده بمرض السكر اللعين . نال المرض من صحته ومن صوته , فلم يعد هو الشيخ عبد الباسط الذى نعرفة , انهكه المرض وظهرت آثار على صوته الجميل , وداخ الشيخ بحثا عن دواء يصلح ما أفسده الدهر , ولكن سعيه لم يشفع له فما هو مكتوب على الجبين لابد أن تراه العين , وحدث أن جاء أحد الأمراء الى القاهرة واتصل بالعبد لله طالبا منى القيام بواجب نحو الشيخ عبد الباسط , فقد جاء الى القاهره ومعه دواء من حبة البركة يحقق الشفاء للشيخ الذى بهر الجميع وأحبه الجميع , وسألت عن الشيخ واكتشفت أنه يقشى فترة فى المدينة المنورة بجوار قبر الشيخ , وحدد لى موعد حضوره , واتصلت به فى المساء وأجابنى صوت مشروخ من شدة البكاء , وعندما سألته عن الشيخ أجابنى فى حزن شديد
لقد مات منذ ساعات . رحم الله الشيخ عبد الباسط عبد الصمد , الذى أحبه الملايين وعشقوه , من أمريكا حتى الصين .
المزيد من الملخصات حول اسرار عن حياة الحاج عبد الباسط عبد الصمد