قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: اضرب لي مثل المتحابين يقطع بينهما الكذوب. قال بيدبا:
كان هناك ثور في مرج كثير الكلأ، وجعل يخور، ويرفع صوته بالخوار، وكان قريبا منه أجمة فيها أسد عظيم، فلما سمع خوار الثور، ولم يكن رأى ثورا قط، خامره منه هيبة وخشية، فكان مقيما في مكانه لا يبرح ، ثم إن دمنة استأنس بالأسد وخلا به، فقال له يوما: قد رأيت الملك قد أقام في مكان واحد لا يبرح منه خلافا لعادته، فبينما هما في الحديث إذ خار أُشَتْرَبَةُ خوارا شديد فهيج الأسد، فسأله دمنة: هل راب الملك سماع هذا الصوت؟ قال: هذا الذي حبسني هذه المدة في مكاني، ولابد أن جثة هذا الصوت المنكر عظيمة، لأن صوته تابع لبدنه، فإن يكن كذلك فليس لنا معه قرار ولا مقام. فانطلق دمنة نحو الصوت وعاد إلى الأسد قال: رأيت ثورا، وهو صاحب هذا الخوار. قال الأسد: فما قوته؟ قال: لا شوكة له وأنا على ضعفي آتيك به، فيكون لك عبدا. ثم اقبل والثور معه حتى دخلا على الأسد، فأحسن الأسد إلى الثور وأعجب به وائتمنه على أسراره. فلما رأي دمنة أن شتربة اختص بالأسد دونه حسده حسدا عظيما، وشكا ذلك إلى أخيه كليلة قائلا: ألا تعجب يا أخي، لقد أغفلت نفع نفسي حتى جلبت إلى الأسد ثورا غلبني على منزلتي! قال كليلة: وكيف تقدر على الثور، وهو أشد منك، وأكرم على الأسد منك. قال دمنة: لا تنظر إلى صغري وضفعي، فالأمور ليست بالضعف ولا بالقوة، ولا الصغر ولا الكبر في الجثة. ثم إن دمنة ترك الدخول على الأسد أياما كثيرة، ثم أتاه على خلوة، فقال الأسد: ما حبسك عني فلم أرك، هل حدث أمر؟ قال: إن شتربه خلا برؤوس جندك ويريد أخذ ملكك، وهذا دأب أهل الخيانة والفجور. قال الأسد: وكيف يفعل ذلك، ولم ير مني سوءا قط؟ وإن كان معاديا لي فإنه لا يستطيع أن يضرني، وهو آكل عشب، وأنا آكل لحم؟ قال دمنة: إن لم يستطعك بنفسه احتال لك من قِِبَلِ غيره، وعلامة غدره أن ترى هيئته متغيرة، وتراه يصوب قرنيه فعل الذي هم بالنطاح والقتال. فلما فرغ من تحريش الأسد على الثور، ذهب إلى شتربه وقال له: من ذا الذي خالط الأشرار فلم يسلم؟ لقد قال الأسد لأصحابه: قد أعجبني سمن الثور وليس لي إلى حياته حاجة. وأخيرا نشأت بينهما الحرب، واشتد قتال الثور والأسد، وسالت بينهما الدماء. ثم علم الأسد بعد ذلك بكذب دمنة وفجوره فقتله شر قتلة.