.
لا يمكن لما هو مسيحي ان ينشأ من منطلقات دنيوية ولا يمكن تحديد جوهره من خلال تصنيفات طبيعية لان ذلك يمحو خصوصيته.
واستيعاب هذه الخصوصية يتم عبر استنباطها من محيطها. يجب طرح كافة الأسئلة مباشرة داخل نطاق المسيحية والحصول على الرد من داخل النطاق ذاته. عندها فقط يظهر جوهر المسيحية كميزة خاصة لا يمكن إدراكها من خلال بقية المزايا. فالمسيحية تتعدى الفكر والكلمة الطبيعية التي تحيل كافة الأشياء, وبغض النظر عن الاختلافات بينها, الى تصنيفات كبرى توفرها الخبرة والمنطق. مع هذه التصنيفات لا تتلاءم المسيحية. وعندما يقودنا تفكيرنا الى الاستنتاج ان المسيحية ,وبغض النظر عن كافة العوامل المشتركة للوجود المادي, لا يمكن في النهاية إدراكها ولا قصرها على الدنيا فعندها فقط تظهر بوضوح بنيتها الجوهرية.
*** وفي نهاية المطاف ليست المسيحية مجرد نظرية حول الحقيقة ولا مجرد تفسير للحياة اذ ان هذين الوجهين لا يشكلان نواتها الأساسية. فهذه النواة تتمثل بيسوع الناصري وبوجوده الحقيقي وبأعماله وبمصيره وبتعبير آخر بشخصية تاريخية. ويلاحظ من يشعر بأهمية شخص ما بالتشابه بين هذا الوضع ووضعه. الشخص هنا هو من يكتسب أهمية وليس الإنسانية او الإنساني. وكل شيء يحدده هذا الشخص و قد تكون العلاقة متينة لدرجة ان العالم والمصير والواجب وكل شيء آخر يتم من خلال شخص الحبيب فهو موجود في كل شيء وكل شيء يذكرنا به وهو يعطي معنى لكل شيء. ففي اختبار حب عظيم ينطوي العالم بأكمله ضمن علاقة الأنا وأنت وكل ما يحدث يجري في إطارها. فالعامل الشخصي هو ما يتوق اليه الحب في النهاية ويمثل أسمى أشكال الواقع التي يحتويها العالم فهو يلج ويحدد كل ما عداه من الأشكال: الفضاء والطبيعة والحجر والشجر والحيوان ...
كل هذا صحيح ولكن صداه يقتصر على هذين الأنا والأنت وبمقدار ما يكون الحب مستنيراً تخف مُطالبته الآخرين بإعطاء أهمية لما يعتبره هو مهما. قد يكون هذا التطلّع صادقا من وجهة النظر الوجدانية ولكنه لا ينم على ذكاء من كافة النواحي الأخرى. الوضع في المسيحية مختلف اذ أن صيرورة شخص المسيح الفريد واقعاً دينياً حاسماً بالنسبة للإنسان لا يرتبط بحدوث لقاء حب فالمسيح هو هكذا من دون شروط ولذاته ولا يعتمد استيعاب الإنسان لهذا الأمر على الصدفة كما لو كان ميلاً استيقظ داخله في وقت معين فهو حاجة ملحة يطرحها على ضميره.
تؤكد المسيحية انه على الخليقة بأكملها ان تستغني عن استقلالها الظاهري وتخضع لسيادة شخص حقيقي هو يسوع المسيح وان تتبعه كناموس وذلك بسبب تجسد ابن الله وموته وقيامته وبسبب سر الإيمان والنعمة. من وجهة نظر منطقية يعتبر هذا تناقضا لأنه يبدو وكأنه يعرض للخطر حقيقة الإنسان. ولكن حتى المشاعر الشخصية ترفض هذا حيث انه ليس من الصعب على الإنسان قبول قانون عام - سواء كان قانوناً مستنبطاً من الطبيعة او من الفكر او من الأخلاق - ثبتت صحته فالإنسان يشعر بأنه سيبقى هو نفسه من خلال هذا القانون, لا بل بأنه يمكن ترجمة هذه القوانين العامة الى فعل شخصي. ولكن الإنسان يرفض بشدة مطلب الاعتراف بشخص آخر كقانون أعلى في كافة مجالات الحياة الدينية كما وبوجوده شخصيا. ومن الطبيعي إدراك ما يعنيه مطالبة أي فرد بالتخلي عن روحه. رومانو غوارديني من " جوهر المسيحية "، الفصل الأوّل.
تاريخ النشر: يناير 17, 2008
المزيد من الملخصات بواسطة Ahlawy87
More