نزاعات الشرق الأوسط الحديثة لها جذور تمتد عميقا فى تاريخ ثقافتنا
فى كتابها الذى يتعامل مع الحروب
المقدسة فى اليهودية و
المسيحية و
الاسلام تستعرض
كارين ارمسترونج هذه الجذور و تربطها بصراعات العصر الحاضر
كل من هذه الديانات الثلاث العظيمة كان لها فى وقت من الأوقات حربها المقدسة و بالرغم من التركيز الشديد و المؤلم على "الجهاد" فى الاسلام فى السنوات الأخيرة فأنها تخصص وقتا للحروب الصليبية فى العصور الوسطى أكثر من أى شئ آخر
و تستهل
أرمسترونج حديثها بالبدايات القديمة لليهودية و "
أرضها الموعودة"
الايمان عندما يرتبط بالمكان يمثل الملهم للحرب المقدسة لأن الموقع الجغرافى يحتاج لأن يُحرر من المحتلين الأجانب ثم يحتاج لأن يُدافع عنه ضد المعتدين الأجانب بعد ذلك
الصراعات الدينية حول الأماكن تصبح أكثر دموية اذا تم اعتبار أكثر من مكان واحد مكانا مقدسا
الفتح العبرى القديم لفلسطين يمكن اعتباره بمثابة "حرباً مقدسة" لأن فلسطين كانت أرض الله الموعودة لبنى اسرائيل
ثم بعد مناقشتها للوعد العبرى القديم بالأرض المقدسة و فقدانها فى الخروج الكبير تحول كارين اهتمامها للمسيحية و الاسلام
بالمنطق نجد أن الثلاث ديانات لا تتشارك فقط فى كونية النظرة الى الله ... الله كلىّ الوجود و كلىّ العلم و اللا متناهى فى الزمن , و لكن الثلاثة أيضا يتشاركون فى منطقهم الخاص بالأماكن المقدسة المعينةفى الأسلام نلاحظ أن مبدأ
الأراضى المقدسة يتسع ليس فقط لمكة و المدينة و القدس و لكن أيضا جميع الأراضى التى تجذر فيها الاسلام بعد موت النبى محمد هى أرضا اسلامية مقدسة
و لذلك
فأن الجزيرة العربية و مصر و ايران تعتبر أراضى
مقدسة فى عيون المسلمين (دار الاسلام) و لابد أن يتم الدفاع عنها ضد دنس الأجانب
و خلال تاريخهم المبكر فإن لا المسيحية و لا الاسلام قد قاما بشن حروبا مقدسة حقيقية و لكن بعد تحول الامبراطورية الرومانية للمسيحية انتشرت المسيحية فى غرب أوروبا بعيداً عن الأراضى المشرقية التى بدأت فيها
الفتوحات الاسلامية العظيمة فى القرن السابع حتى التاسع شهدت توسعا هائلا ولكنها لم تكن "حروبا مقدسة" بالمعنى الحرفى
اتباعا لتعاليم و وصايا القرآن جنبا الى جنب مع السياسات العملية فأن الأسلام فى ذروته فى العصور الوسطى تسامح مع الديانتين الأخرتين بصفتهم ( أهل كتاب) و سُمح لأهل المسيحية و اليهود باقامة شعائرهم الدينية فى الأراضى الواقعة تحت سيطرة المسلمين و سُمح لهم كذلك بالحج الى بيت المقدس
و فيما يشبه الحرب الباردة فى العصور الوسطى فأن بيزنطة و الخليفة قد تعلما التعايش سويا بل و حتى احترام كل منهما لثقافة الآخر
و لكن فقط مع حلول القرن الحادى عشر الميلادى شعرت بيزنطة بالتهديد المباشر لوجودها نتيجة للهجوم التركى الضارى و توسلت لبابا روما من أجل المساعدة
فى بدايات العصور الوسطى فى أوربا كانت هناك محاولات جادة بواسطة النساك و الاكليروس (طبقة رجال الدين المسيحى) لتوكيد الحب الكونى الذى علمهم اياه المسيح و اتجاه لفرملة النزعات القتالية عند الأوروبيين نصف المتحضرين نصف البرابرة و لكن مع حلول القرن الحادى عشر الميلادى و مع تحول أوروبا الغربية من القبلية للنظام الاقطاعى و ظهور نتائجها الثقافية نمت المشاعر العدائية
و وجد رجال الاكليروس و على رأسهم بابا روما أن تلك الطاقة العدائية لابد و أن توجه للخارج
و لكن حتى البابا (
أوربان الثانى) لم يمكنه التنبؤ بكل تلك الأهوال التى أطلقت من عقالها مع بدء الحملات الصليبية نحو الأراضى المقدسة
أرمسترونج وصفت المذابح التى بدأت مع بدايات الحملة الصليبية الأولى و ذكرتنا بأن اليهود كانوا يذبحون جنبا الى جنب مع المسلمين على يد الصليبيين ... بداية بذبح اليهود الذين عاشوا طويلا بسلام فى ألمانيا و هكذا اعتبرت الحملات الصليبية فى العصور الوسطى بمثابة الحرب المقدسة ضد اليهودية كما هى ضد الاسلام
و عندما أخطأت الحملة الصليبية الرابعة عام 1204 طريقها لتتجه نحو القسطنطينية بسبب خداع الفينيسيين اصبحت الحرب المقدسة للكاثوليكية الرومانية ضد الأرثوذسكية الشرقية
الفظائع التى ارتُكبت ضد أهالى الشرق الأوسط خلال الحملات الصليبية لم تمحى أبدا من عيون المسلمين و أُعلن الجهاد العظيم الأول - رد الفعل الضخم الذى بدا مع
صلاح الدين متأخرا فى القرن الثانى عشر
هذه الحرب الاسلامية الدفاعية المقدسة وُجهت نحو البرابرة المعتدين على دار الاسلام و ليس فقط أو ببساطة ضد محتلين القدس و رفع المسلمون اسم صلاح الدين عاليا بصفته احد أعظم قادتهم العسكريين فى التاريخ
و خلال وصف أرمسترونج للحملات الصليبية فى العصور الوسطى فأنها ربطتها فصلا بعد فصل بالصراع الحالى فى الشرق الوسط
و هكذا فأن
الصهيونية ,
تأسيس دولة اسرائيل , و حروب اسرائيل الدفاعية فى
حرب الستة ايام (1967) يمكننا أن نعتبرها حروب اليهود المقدسة للعصور الحديثة
و قد ذكرتنا أيضا بأن الأصولية الاسلامية فى عصرنا الحالى مثلها مثل حروب
صلاح الدين منذ قرون مضت يراها أتباعها كحرب مقدسة دفاعية ضد النفوذ الغربى فى هذه المنطقة الاستراتيجية الغنية بالبترول
و هكذا أيضا فأن
الثورة الايرانية و اغتيال
أنور السادات نوقشت بعمق فى الكتاب معتبرة أن الحرب المقدسة لم تقم فقط ضد الحكام الفاسدين و لكن ايضا ضد المصالح الغربية التى كانوا يرعونها
كُتب كثيراً عن حروب العصور الوسطى و صراعات الشرق الأوسط فى العصر الحديث و لكن جمع
كارين أرمسترونج بين الثقافة الغزيرة الصلبة مع قدرتها الفائقة على التبسيط و الشرح السلس وفرا لنا وسيلة عظيمة للربط بين أحداث الماضى مع تأثيراتها فى أحداث الحاضر فى كتاب واحد
أنه ليس العمل الوحيد لهذه الكاتبة الرائعة الذى يعطى اهتماما رئيسيا و رؤية ثاقبة للدين ودوره و تفاعله الواسع مع الثقافة و السياسة فى عالمنا المعاصر
المزيد من الملخصات حول الحرب المقدسة