حقيقة، تلك الحقبة من التاريخ كتبها المنتصرون و لهذا السبب نجد أن كثيرًا من الأحداث المنصرمة
تأتي في دعاية إعلامية في صالح هؤلاء الذين يسجلون تلك الأحداث.
و بمقدورك أيضًا أن تقول أن التاريخ قد أعيد تسجيله على أيديهم و تحت إشرافهم؛ و طالما ظلت هذه الفكرة عالقة بذهنك فمن السهل أن تتناسى ذلك في حالة الحرب، و أذكر مثالًا على ذلك الحرب العالمية الثانية؛ حيث وقعت المعارك الحقيقية بمجال واسع في نطاق عادي أقصد البشر العاديين المترجلون في الشوارع فيما يميز فحسب الزى الذي يرتديه الجانبان عن الآخر.
و نلحظ هذه الأيام ما للسياسة المتبعة من حظ كبير من النظام النازي و الرعب الذي خلقه هذا النظام، و من الصواب أنه علينا أن نُخضع هذه الأشكال للاختبار طلبًا و سعيًا وراء تحقيق الرخاء. لكن الفكرة تطرأ بشكل متعاقب في دماغ جندي طبيعي متزن يدرك أنه يقوم بواجبه و يحاول فحسب البقاء على قيد الحياة مثله كمثل الملايين من المقاتلين الذين انجرفوا في خضم الصراعات.
إن الجندي المنسي هو جاي ساجير، و هو من أصل فرنسي و ألماني، تم تجنيده في الجيش الألماني و من ثم تم إرساله للقتال في الجبهة الروسية في صيف عام 1942.
لقد كان ساجير ضمن آلاف الذين تم تجنيدهم لموضعتهم في الجبهة الروسية من أجل الحيلولة دون تحقيق هتلر لزخم أحلامه بهزم السوفيت و وضع يده على الموارد الطبيعية الشاسعة و بالأخص حقول البترول التي ظن أنه بحصوله عليها سوف يضعه الموضع الذي يريد. كان بداية ساجير سائقًا لشاحنة ينقل بها الإمدادات و الرجال لجبهة القتال لكن دون مجازفة حيث كان في موضع آمن نسبيًّا.
و فيم كان الطقس يهرب إلى الشتاء من خريف الطبيعة بدأت المصاعب الحقيقية تظلل على جنبات الطرق فلم يكن الجيش الروسي الذي كان في لحظة يتقهقر فيها إلى الوراء، بل إنه الصقيع. وكانت بالنسبة له المرة الأولى التي يحس فيها بوهج جحيم "الحرب الإجمالية" و التي ستستمر لعامين آخرين.
انه في ربيع عام 1943 قام ساجير و زملائه بالتطوع في "تقسيم ألمانيا العظمى" وهو شكل من الأشكال المشابهة لوحدة حراسة ألمانية تشجعت على القيام بذلك ليس بدافع من الصداقة لكن أيضًا سعيًا وراء تحقيق مكانة و حسن معاملة تلك الوحدة بما تعد به من وعود. كل ذلك كان على وشك تغيير المرار إلى نجوم متلألأة في عيني جندي مشاة صغير السن
و بسقوط مدينة ستالين جراد بدأ الهجوم المضاد الروسي باجتذاب زخم الهجوم و من تلك النقطة في مواجهة الوحدات الألمانية المجتاحة بشكل واسع و التي تستمر إمداداتها يتم إبعادها و قهقرتها و تصبح قصة ساجير أحد القصص الباقية و ليست كمن قضت نحبها.
كل الحروب ذات أحداث فظيعة و أهوال مرعبة لكن ما قد اعترى ساجير هو إحساسه و شعوره ب"حرب إجمالية" لم تر مثلها القوات المتحالفة في الجبهة الغربية من قبل، حيث لم تمثل الرصاصات الروسية الخطر الوحيد على القوات هناك فحسب بل بقدر ما مثلته درجات الحرارة التي هبطت إلى معدلات منخفضة جدًا، حتى الأربعين تحت الصفر، و أيضًا خطر الحجارة التي كانت تتحطم بشدة كالمتفجرات على الطريق في ذاك الصقيع الذي لا يرحم و كذلك الدبابات الروسية أثناء عبورها لنهر "دون Don" متجمدة و يثقل كاهلها الثلج المتراكم الكثيف و التي بالكاد كانت تتحمل أوزان الوحدات المدرعة.
و لقد كان الجوع قاتلاً محترفًا هناك حيث تضائل خط الإمداد و مثلت الأمراض و الشعور بالإعياء تهديدًا ثابتًا، إلا أن الشيء الوحيد الذي جعل الناس اجتياز هذه الظروف القاسية و الأخطار هو شعور الصداقة بين الجنود و الذي تمثل في انضمامهم للقتال سويًا حيث لم يكن القتال شيئًا مهيبًا في صدورهم بل إنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم و عن أصدقائهم و البقاء على قيد الحياة بعد انقضاء هذا كله.
و تضم جنبات الكتاب بعضًا من اللحظات الفظيعة، لكن ساجير لم يقم بتوضيح ما فعله من بطولات كما يفعل الجنود بل فعل ما تحتم عليه فعله و ترك البوح بالبطولات للآخرين.
و قد كتب ساجير بيديه فيقول: "ذات يوم، كان الموت مني قاب قوسين أو أدنى لكن بعد أحداث لا أجد أهمية في ذكرها، مكثت حيث أنا و بدون شعور بالندم، انفصلت عن الحالة الإنسانية العادية"، لكن على أية حال، و برغم تلك التجربة الفظيعة و المؤلمة جدًا عاد لعقله و إنسانيته.
بينما فقد كثير من زملاءه صفاتهم الإنسانية ليبحثوا عن سبل البقاء على قيد الحياة كالبهائم. إنها إنسانية ساجير التي أخذت بيده في خضم تلك الصعاب، فالحملة تلك قد رأت الجانب الأسوأ و المفرط من الحرب.
بعكس الغرب من القادة الألمان و الروس الذين كانوا يعتبرون بعضهم البعض أقل من أن يكونوا مجرد بشرًا و ذلك بسبب ذاك الأوامر التي تصدر و التي تعارضت ليس فقط مع قوانين الحرب بل مع الأخلاقيات ذاتها. و في أعقاب التراجع من الجبهة الروسية التي شهدت ما تبقى من وَحْدَته التي كانت على مقربة من ألمانيا، و بالإضافة إلى ما حدث فقد قامت القوات البريطانية بأسره و من ثم اقتيد إلى معسكر الاحتجاز، لكن السخرية تكمن في أن معاملتهم أثناء فترة أسرهم كانت أفضل من المعاملة التي لاقوها من جيشهم.
لقد مثلت الجبهة الروسية مادة بحثية طويت قيد النسيان من قِبل الكتاب الغربيين، لكن ما كتبه "أنتوني بيفور" من حقائق عن "ستالين جراد" إنما هو بمثابة فهم عميق و رائع لتكتيكات و استراتيجيات تلك الحملة و قد استحالة منافسة كتابه عن تلك الحقبة و المكان فهو نظرة لمقاتل عادي و لأفكاره و أفعاله و هو يعطي أيضًا وصفًا رائعًا لجندي عادي السمات.