تبدأ كاتبة إسلامية مقالها بالعبارة "ترى من ذاك الذي يقول أن الحملة من أجل حقوق الحيوان كانت
قد بدأت في الغرب..؟" ومضت تشير إلى أن الإسلام قدم الأطروحة الأصلية عن المعاملة الإنسانية للحيوانات. صياغة قضيتها كان غير متقن، وإنجازها لم يفي بالغرض المطلوب، على الرغم من أن جوهر الفكرة كان إلى درجة ما دقيق. فقد أرست التقاليد الإسلامية بالفعل أساسا، مع حدود واضحة، فيما يتعلق بالمعاملة الإنسانية للحيوانات.
ولكن لماذا اختارت الكاتبة، مثل كثيرين آخرين، أن تحوِّل ما كان ينبغي أن يكون حجة بناءة إلى تهجم لاذع؟ هل كان من الضروري مهاجمة خطب الغرب، واستخدام تصنيف يميّز بين "نحن وهم" — بدلاً من محاولة إيجاد قضية مشتركة؟ النقطة نفسها يمكن أن تثار حول قضايا أخرى، سواء تلك المتعلقة بحقوق الإنسان (حقوق المرأة على وجه الخصوص)، البيئة، حقوق العمالة وغيرها الكثير.
في دفاعها، كانت أميرة سليمان ببساطة تتبع اسلوب موجود حاليا، يستخدم عادة في وصف ارتقاء المرء الثقافي أو الديني، على حساب طرف آخر. بل أكثر من ذلك، إنما هو أيضا آلية دفاع، تذكيرا ملازما بأن صدام الحضارات المزعوم يتخلل جوانب كثيرة من رؤيتنا لأنفسنا والآخرين.
يتفشي هذا التوجّه بين المفكرين المسلمين، كما هو الحال في مجتمعات أخرى. العداء الثقافي، والدفاع المشترك، والعنصرية (والاستشراق)، من بين اتجاهات ثقافية أخرى طاغية كانت موجودة منذ وقت طويل قبل أن يصبح إزدراء السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط هو المعيار المحدّد، وذلك قبل وقوع الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر عام 2001 والحروب ضد العراق وأفغانستان. ومع ذلك، فإن هذه الأحداث عزَّزت الحجج القائمة على كلا الجانبين، وترسخت لدى المسلمين فكرة "الضحية الجماعيّة"، ونظر إلى الولايات المتحدة، من وجهة نظر إسلامية، باعتبارها مبتذلة، وأنها ليست سوى التمثيل الحقيقي للغرب.
بالطبع، لاقى الإسلام والمسلمين مزاعم تنذر بالشر في الولايات المتحدة؛ إلى هذا الحد ذهبت وسائل الاعلام "الغربية"، الثقافة والنفس — الرجل الملتحي الذي يلوِّح بالخنجر مهدِّدا ويسيء معاملة النساء كلما سنحت له الفرصة بعيدا عن نسف الكفار. وبمثل ما أتعمّد أن يكون لهذا الوصف وقع هزليّ، كذلك هى الفكرة صحيحة بشكل مزعج في أذهان الكثيرين.
الهوية الاسلامية المشتركة في أي حال، مجزأة إلى حد كبير بين الحكومات التي لا تمثل سوى نفسها، والشعوب التي تواجه العديد من أشكال القمع: القمع السياسي في الداخل، والقمع الخارجي (الحرب، والتدخل الأجنبي، الخ)، وعدم اليقين الاقتصادي (الذي يغذيه عدم المساواة، ويزيد من خطورته أوجه القصور في العولمة)، وانتشار التطرف.
أرسخ ما يسمى الحرب على الارهاب، لأسباب واضحة، هذا التشرذم نفسه. فمن ناحية، عزّز الشعور بالظلم المتنامي بين كثير من المسلمين؛ وهو الإنطباع نفسه الذي أسفر عن الرضوخ والتطرف على حد سواء. من ناحية أخرى، ألهم إعادة نظر، ايجابي في بعض الأحيان، منكر للذات في أحيان أخرى: فقد أشعل احساس إيجابي بالهوية والكبرياء بين جيل متحمس لتعريف نفسه وفقا لأولوياته وعلى ارضه في الوقت الذي أدى إلى حركة هجرة فكرية (طفيفة)، التي التمست في "الغرب" هروب من الواقع الجائر، والذي من أجله يتحمل "الغرب" بطبيعة الحال نفس القدر من المسؤولية.
ولكن لم تكن الحرب وحدها (وفي حد ذاتها) هى التي شكلت تصورات المسلمين عن "الغرب"، بل كان إصرار الولايات المتحدة و(بدرجة أقل) بريطانيا على أن حربهم ذادت عن خطاب غربي أساسي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. جرت مثل هذه الدعاوي في أجواء عدائية بالفعل: وسائل اعلام وتمتمة أكاديمية متواصلة حول أوجه القصور في الإسلام، وتنامي اليمين والاتجاهات العنصرية في مختلف الدول الغربية مستهدفة المهاجرين والأقليات، الكثير منهم من المسلمين.
عندما يتم دعم تجاوز سياسيّ، وعسكريّ وفكريّ بتصريحات كتلك التي أدلى بها نائب وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات، اللفتنانت جنرال وليام بويكين (متقاعد حاليا)، آنذاك تغلظ المؤامرة، و يشتد الاستقطاب الجمعيّ بكلا الجماعتين. اشتهر بويكين، مؤلف كتاب "أبداً للإستسلام: رحلة جندي إلى ملتقى الإيمان والحرية"، بسبب إقتباس غير موفّق له، منذ عدة سنوات، في إشارة إلى أحد النشطاء الاسلاميين في مقديشو: "أعلم أن لي اله أكبر من الهه. أعلم أن الهي اله حقيقي، في حين أن الهه مجرد صنم".
كان هذا إقتباس واحد، بطبيعة الحال، في بحر من الإشارات المتعصبة التي تظهر بوضوح نزعات العديد من المسؤولين ومثقفي وسائل الاعلام خلال فترة ادارة الرئيس جورج دبليو بوش. هذه الأصوات الآن صامتة نوعا ما، رغم أنه من الصعب الاعتقاد بأن مجيء الرئيس باراك أوباما قد غيّر الثقافة في مجملها.
سوف تأخذ أجيال لتترسخ الثقة الحقيقية. في غضون ذلك، فإن المسلمين الذين يصرون على العيش في ظل "الغرب" كنصراء متحمسين أو منتقصين مهووسين، عليهم إعادة تعريف خطبهم الخاصة. لهذه الفئة الأخيرة، يجب أن لا يسمحوا للحرب وحدها، ثقافة المستهلك التي تروّج لها وسائل الإعلام، هيمنة العولمة والتصريحات العنصرية من جانب سياسي أو انجليى ولد من جديد بتشويه وجهة نظرهم كلية فيما هي في جوهرها ثقافات فريدة ومتنوّعة ومثيرة للإعجاب في نواح كثيرة، والتي ساهمت بالكثير من العمل الجيد. والواقع أن هناك أشخاص مثل بويكين، ولكن هناك الملايين من محبي السلام، أناس عاديين، البعض منهم من المدافعين المتحمسين لحقوق الإنسان، ودعاة المناهضة للحرب، بمن فيهم الآلاف الذين كسروا مرارا وتكرارا الحصار المفروض على غزة، ومن قبلها العراق.
يجب على المسلمين أن يكفوا عن السخرية من الغرب و تحويلهم إلى أعداء، والمفاضلة بين إستقامة المسلمين الجوهرية وفسوق الغرب المتأصل. لا يقتصر الأمر على كون مثل هذه الإختزالات غير دقيقة وتأتي بنتائج عكسية، إنها أيضا تعطل إمكانية إقامة تحالفات بين قوى الخير في هذا العالم في وقت أصبحت فيه ذات أهمية حيوية.