القول بأنّ الإسلام والمسلمين في أوروبا وأمريكا الشمالية يتعرضون لضغوط هو تصريح مكبوح. في
واقع الأمر، يَشْعر المسلمين بأنهم تحت الحصار. فمن ناحية، هناك البعض مِنْ غير المسلمين الذين لا يريدون أَنْ يُنظر إلى الإسلام بوصفه دين السلام والاعتدال والقيم الأخلاقية التي تتقاطع مع تقاليد الأديان والنظم الثقافية.
سواء مِنْ مُنطلق الخوف مِنْ الإسلام أو الانتهازية السياسية، يهوى أناس بهذه النزعة تشويه صورة الإسلام والمسلمين كأبرز مصادر العنفِ والإرهابِ في العالم المعاصر. وقد نجحوا في تجسيد هذه الصورةِ مِنْ العنفِ والإرهابِ في شكل نمطي خطير، بل حولوها إلى حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان. الواقع أن غالبية المسلمين يتحدثون ضدّ العنفِ والإرهابِ، بغض النظر عن أصله أَوعن هويةِ مرتكبيه، لا يُشكل فارقاً بالنسبة لهؤلاء الكارهين بشدة للإسلام ومُدمني الانتهازية السياسية.
ومِنْ الجانب المقابل، تعرض الإسلام والمسلمين لهجوم مِنْ داخل الجماعة، مِنْ قبل أقلية صغيرة مِنْ المتطرفين الذين يريدون اختطاف الرسالة السلمية للإسلام والاستعاضة عنها مِنْ خلال الإصرار على توكيد ماهية الإسلام المتعطشة للدماء. تعتقد هذه الفئة من المسلمين أن شروحات الإسلام التي تتحدث عن السلام والاعتدال وأخلاقيات العدالة والتسامح هي مِنْ أعمال الاستسلام للقوى المعادية التي تعمد على تدمير الاسلام من الداخل.
منطق الجانبين هو نفسه: الإسلام المعتدل الذي يُريد أن يعيش في وئام مع نفسه وبسلام مع الآخرين، بشرط أن يحذو حذوه، هو حُيُود تاريخيّ، واتجاه فيه رياء وخداع، أو فعل بغيض مِنْ الاستسلام للعدو. ومِنْ المفارقات فإن العداء المُتصلّب في هذين المعسكرين تجاه إسلام معتدل وفيّ لمبادئه وقيمه الأمميّة يجْعل منه تجسيداً للدين الاكثر تطرفاً.
تعبير"الراديكالي أو المتطرِّف"، وقد اكتسب معاني سلبية في هذه الأيام، غير أني استخدمه في معناه العتيق المُحرِّض على التغيير والمُثير للفكر. عندما يُصبح الاعتدال شكلا جديدا مِنْ أشكال التطرُّف في أمور الايمان والثقافة والحضارة، حينها نعلم بأنّ المتطرفين إما قد ربحوا أو، كما أود أن أعتقد، دفعوا بأنفسهم إلى أقاصي التطرُّف، إلى النقطة حيث المِنْهاج الوحيد هو سياسة الكراهية والخوف.
وَضْع الإسلام في بريطانيا في سياق مناسب: "وجهات نظر استكشافية" هو التقرير الأول مِنْ نوعه في المملكة المتحدة، وجاء نتيجة برنامج عمل الذي شارك فيه 26 مِنْ المسلمين في سلسلة مِنْ الحلقات الدراسية على مدى تسعة أشهر. وكردّ فعل ضدّ خطابات التطرُّف المتوقعة مِنْ داخل وخارج الجالية المسلمة، شَغلَ المشروعَ طاقاتَ قطاعا عريضا مِنْ المسلمين في المملكة المتحدة: رجالا ونساء، صغارا وكبارا, مسلمي تراثِ ومسلمين جدّدِ.
طَمَحَ المشروع إلى إبراز التنوُّع في المجتمعات المسلمة بالمملكة المتحدة مِنْ حيث المُعْتَقَد، الثقافة والعرق. أوجد المشروع، بقيادة جامعة كامبردج، و بالإشتراك مع جامعتي إكستر وويست مينستر، حيِّزا حيث يُمكن للمسلمين أَنْ يَجتمعوا، يتناقشوا، يتفقوا ويختلفوا في جوِّ مِنْ الإحترامِ المُتبادلِ والتأمُّلٌ الذاتي بنقد وتدقيق.
أدركتْ الحكومة أنّ التدخُّل في هذا المشروع سيُلاقي مُمناعة، وسوف يُؤدي أيضاً إلى الرفض القاطع للتقرير مِنْ قِبَل الجالية المسلمة، جمهوره الأساسي.
لم يشعر أعضاء المشروع بأنه يتعيَّن عليهم الدفاع عن مباديء الإسلام المُطْلَقة. وقد قُدِّمَت هذه كما هي. ومع ذلك، كان هناك شعور بأن الشُروع في وضْع الشريعة في سياقها التاريخي ضروري لأجل تنمية الفَهْم الصحيح لإسلام قادر على الاستجابة للأسئلةِ والاحتياجاتِِ المُلِحّة. كان السؤال الأهمِّ الذي طرحه الأعضاء على أنفسهم، ماذا يعني العيش كمسلم مُؤمن في بريطانيا اليوم؟
ومع تطوُّر المناقشات الجارية في المشروع، انهمكت المجموعة في مناقشة مجموعة متنوعة مِنْ المواضيع التي أطلّت مِنْ هذه القضية المركزية. مجرد مسألة العيش في مجتمع بريطاني مُتعدِّد الثقافات، وقائم على التعدّدية و"العلمانية" تطورت لتصبح مجموعة مِنْ القضايا ذات الصلةِ: ما هي المفاهيم المختلفة التي يُمكن أن يتضمَّنها مُصطلح "العلمانية" وكيف تفنَّد؟ ماذا يعْني التزام القرآن بالتعدّدية في سياقِنا الحاليِ؟ ما هي العلاقة بين مقاصد الشريعة الإسلامية بوَجْهِ العُموم، والرؤيةِ السياسيةِ والأخلاقيةِ التي أعرب عنها في الوثائق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان؟
موضوع هام آخر طرح للنقاش كان مسألة المواطنة. ماذا تقول التقاليد الإسلامية عن حق المواطنة، وكيف يُمْكِن أَنْ تُطوِّرَ الثقافة الإسلامية هذا المفهوم أبعد من ذلك؟ كيف تستحدث المناقشات حول المواطنة في بريطانيا اليوم؟ ماذا تعني أو ينبغي أن تعني المواطنة الفعالة، وماذا يُمْكِن أن تكون الموانع التي تحول دون ممارسة حق المواطنة في المجتمعِ على نطاق أوسع؟
ردَّاً على هذه الأسئلةِ، يُشدِّدُ التقرير على أهمية إتاحة حرية التعبير للأصواتِ الدينيةِ في المجالِ العامِّ، و يُعرب عن دعمه القوي لنهج مُنسَّق مِنْ جانب الدولة في الشؤون الدينية.
ويُشدِّدُ التقرير أيضا على أهمية المشاركة السياسية مِنْ خلال القنوات الديمقراطية وعلى الحاجة إلى تعزيز مؤسسات المجتمع المدني كوسيلة لتوفير الحماية ضد سلطة الدولة، فضلا عن شرعية الديمقراطية العلمانية باعتبارها الإطار الذي يمكن مِنْ خلاله محاسبة السلطة.
ويشرع التقرير في معالجة التفسيراتِ النمطية لبَعْض المفاهيمِ الإسلاميةِ، بما في ذلك الجهاد والشريعة والفقه، دار الإسلام ودار الحرب، التي أدخلت إلى اللغة الانجليزية بمعاني مُبسطَّة، رَجْعِيُّة أو مُحرفَّة. حتى التعبير "فتوى" قد اكتسب معنى مُنْحَصِر في اللغة الانكليزية، إلى الحد الذي يكاد يستبدل مفهوم "الفتوى القانونية" ب "حكمِ بالإعدام". بتعيين موضع وظروف هذه المفاهيمِ في أطرها التاريخيةِ، يسعى التقرير إلى وضع الخطوط العريضة لبعض مِنْ مدلولاتهم البديلةِ بهدف تَصحيح وإثراء الفَهْم العامِّ للإسلامِ.
مبادرة وَضْع الإسلام في بريطانيا في السياق هو "تقرير استكشافي"، كما يَقُولُ عنوانه الثانوي. ردّ الفعل إلى هذه الوثيقةِ مُتقنة الصنع والمتوازنةِ كَان إيجابيا إلى حد كبير، على الرغم من أن أولئك الذين يُعارضونَ الإسلامَ على طرفى نقيض في الآراء، في الداخل والخارج، قد إنتقدوه بوصفه تمويه (لستر العيوب)، أو فعل مِنْ الإستسلامِ العلني لسلطةِ الحكومةِ.
هاتين المجموعتين لا يُمكنُ أَنْ تَكُونا أبعد عن الحقيقةِ، والواقع أنّ بعضاً من هؤلاء الذين رفضوا المشاركة في هذا المشروع قد أبدىَ إهتماماً قوياً للانضمام إلى المرحلة الثانية هو بمثابة تأييداً قوياً له.
ويُظهر هذا التغيير في الرأي والقلبِ أنّ التقرير جاء في الوقت المناسب، وأنه يلقى صدى لدى المسلمين في سعيهم بحثاً عن إجابات شافية، قائمة على العقيدة، تتصدى لمشاكلِهم المعاصرة.