إذا كانت الأفلام تصنع شهادات توثيقية للتاريخ، فإن هذا الفيلم ربما يكون المرجع المصور الأهم
فى الخمسين عاماً الاخيرة والذى يظهرالواقع المجتمع المصري من منتصف القرن العشرين وحنى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فالفيلم يحلل شرائح المجتمع المصري على اختلافها دون أي صراخ أو حوارات زاعقة مباشرة، يرصد ببساطة حالة القهر والشعور بانعدام الكرامة لدى المواطن المصري أياً كانت الفئة الاجتماعية التي ينتمي لها، فهناك فتاة التي لا تملك سوى جسدها لكي تبيعه وتحصل على المال ولقب مغنية (وتجسد الشخصية الفنانة زينه)، وفى نفس الوقت هناك شقيقتها الكادحة التي تكبت حزنها على حالها حتى تدخل عزاء بالخطأ فتنفجر باكية حتى ليظن بعض الحاضرين أن المتوفى قريبها (وتجسد الشخصية الفنانة نيلى كريم) ، والمذيع المتمرد على نفسة وعلى زملائة فى العمل ودائما يصنع مشاكل فى عمله بسبب ادمانة الخمر والمخدرات بلإضافة الى شعوره بالقهرأمام حاجته للمال والنجومية فيرضى لسنوات بإستضافة فنانين هو يعلم أن لاعلاقة لهم بالفن (ويجسد الشخصية الفنان خالد أبو النجا) ، وحبيبته السيدة المسيحية المطلقة التي قهرتها قوانين الكنيسة فرفضت التصريح لها بالزواج مرة ثانية لأنه أمر يمنعه القانون و الإنجيل (وتجسد الشخصية الفنانة إلهام شاهين)، والكوافير الناجح والطموح الذى يتنمى ان يصبح هو مالك محل كوافير الذى يعمل به بالرغم من شعوره بالقهر على أكثر من مستوى لدرجة أن مديره في العمل يطرده تخوفاً من طموحه (ويجسد الشخصية الفنان أحمد الفيشاوى)، أما والدته التي تعمل حفافة تزين النساء فإنها تقوم بممارسات جنسية ممتعة مع رجالهم وهى بلا رجل وفى حاجة للجنس حتى لو كان مع شخص مختل في سيارة النقل العام (وتجسد الشخصية الفنانة إنتصار). هذه الشخصيات بالرغم من تعددها وتباينها واتفاقها في الشعور بالقهر وفقدان الكرامة، تسترد قوتها وكرامتها فى لحظة واحدة هي التي أحرز فيها "محمد أبو تريكة" هدف الفوز لمنتخب مصر في نهائي كأس الأمم الأفريقية لعام 2008، وبالرغم من أن معظم الشخصيات ليس لديها أي اهتمام بالكرة إلا أن الفرحة تغمرهم بشكل مبالغ فيه، ليس لتحقيق المنتخب نصره الكروي، وإنما في واقع الأمر لشعورهم بالقهر واسترداد الكرامة ولو لليلة واحدة هي ليلة الفوز بالكأس.
" وجـــاء اخراج " كاملة ابو ذكـرى " فى اروع ما يكون وكانت فى هذا الفيلم فى افضل حالتها السينمائية تفرض ولأول مرة أسلوبها الخاص، ففي أفلامها السابقة (ملك وكتابة) و(عن العشق والهوى) و(سنة أولى نصب) كان من الممكن أن تدرك بسهولة أنها أفلام صنعتها مخرجة ما تزال تبحث لنفسها عن أسلوب خاص في التصوير والإضاءة وحركة الممثلين، وبمشاهدة واحدة لهذا الفيلم ستدرك فوراً أنها وجدت أسلوبها، إضاءة واقعية لأقصى درجة ممكنة، تستغلها لتطوع حركة الممثلين للخروج بتأثير درامي معين، تأمل المشهد الذي تواجهت فيه الأختان "نادية/زينة" و"ريهام/نيللى كريم" خاصة فى اللقطة الأخيرة في المشهد الذي تدور حول الخوف من الله، بلإضافة الى ديكور الشقة كان يسمح بأن يدور هذا الحوار في أي ركن من أركانه، ولكنها اختارت باب الشقة حيث الإضاءة القادمة من الشراع القديم عبر الزجاج المخرفش وتأثيرها الروحاني على الصورة ككل عندما يغمر الضوء نصف وجه "نيللي كريم". أيضاً صورت معظم المشاهد بكاميرا محمولة (ستيدى كام)، وهو ما أضفى طابعاً واقعياً وتوثيقياً في نفس الوقت، كما سمح لها كمخرجة بالتقاط تفاصيل دقيقة ربما يبدو أنها لم تكن مقصودة ولكن تكرارها يؤكد أنها أصرت على رصدها، كشحوب وجه "نيفين/إلهام شاهين" الخالي من المكياج معظم الوقت، والرذاذ الفموي المتطاير من الشخصيات عند إنفعالها، وأسنان "لطفي لبيب" غير الموجودة، وأخيراً فإنها أدارت ممثليها بشكل سمح لانفعالاتهم بالانطلاق، فمن الواضح في بعض الجمل الحوارية بالفيلم أن الممثلين بدلوا كلمات بأخرى ولكنها لم تقطع التصوير للإعادة لأنها وصلت للانفعال المطلوب منهم، أو المشهد الذي يتشاجر فيه "سليم/حسين الإمام" في الكافيه، وبالمناسبة فإن الدور الذي لعبه "حسين الإمام" هنا هو بلا شك أفضل دور قدمه على مدار تاريخه السينمائي.
وبصفة عامة وكانو جميع الممثليين فى احسن حالتهم السينمائية و على راسهم النجمة الهام شاهيـن والنجم احمد الفيشاوى الذى استطاع ان يعيد لنفسة لياقتة الفنية على الابداع واكد للجميع انة ممثل ترجيدى من الدرجة الاولى.
وبالرغم من الروعة الإجمالية للفيلم، إلا أن به نقيصة صغيرة تمنعه من أن يصبح أفضل فيلم في تاريخنا السينمائي وإن كانت لا تمنعه من كونه واحد من أفضل أفلامنا حتى الآن، وهى نقيصة في السيناريو تتعلق بالخط الدرامي الخاص بالسايس "رجب/لطفى لبيب" وحفيده تباع الميكروباص، فهذا الخط يبدو مقحماً فقط من أجل أن يتجمع الأبطال في قسم الشرطة في النهاية، ولكنه لم يشهد أي تطور درامي حقيقي، أو صراع مؤثر على الشخصيتين، بالرغم من أن هذا الخط يشكل حالة ثرية درامياً ولكن هذا الثراء الدرامي لم يستغل في أحداث الفيلم على الإطلاق. كذلك جاء الانتاج متوسط المستوى كما عودنا جهاز السينما على انتاج افلام مهمة ولكن بانتاج محــدود.