: (2009) Paranormal Activity
من
بعد انتهاء تصويره في أسبوع واحد قبل سنتين عن تكلفة خمسة عشر ألف دولار لم يمولها أستوديو وبعد مروره في عروض مهرجانات إلى قرارات وخلافات حوله، يصل هذا الفيلم كرعب صغير مُنفذ جيداً وبأسلوب الإدعاء بأن الذي يجسده هو حقيقة. هذا الفيلم، إذا ما اعتبرته فيلماً، يبدأ وينتهي من غير الإعلان عن أسماء صانعيه المجهولين وغير المحترفين ومقدم كله كشريط ديجيتال يخلو من القيم الإنتاجية.
كشأن فيلم "ويتش بلير بروجكت" قبل عشر سنوات، فإن كافته يُعرض كما لو تم اكتشافه بعد واقعة نزوية حدثت. كلاهما قاما على ميزانية متقشفة بدون سيناريو حقيقي (مجرد خطوط عريضة للقصة والحوارات معظمها ارتجالاً) ليعتمدا فرضية أن اللقطات كلها تم تجميعها وعرضها كفوتاج وثائقي مجهول. بذلك الاثنان تحولا إلى ظاهرة، وأنجزا رواجاً وتفوقاً ربحياً (وتلك الكلفة لهذا الفيلم تحولت إلى 68 مليون دولار تزيد). لكن من ناحية فنية، وضع فرضية هذا الفيلم أكثر قيمة من حيث أن كل الأحداث لا تخرج عن موقع واحد مضيفاً فيها الفيلم عناصر خيال بيّنة مرفهة.
الفيلم يصور واقعة دامت نحو ثلاثة أسابيع في أواخر 2006. إنه عن زوجان (ميكا سلوت وكاتي فيذرستون مستخدمين أسمائهم الحقيقية) يعيشان سوياً من ثلاث سنوات وانتقلا للتو إلى بيت حديث في سان دييغو لا يحيطه سكن كثير. عانيا فيه من ظواهر غريبة في حجرة النوم ليلاً ما استدعى الزوج ميكا بأن يبتاع كاميرا رقمية تعمل كل اليوم ويتركها ثابتة أثناء نومهم لعله يسجل النشاط المشبوه.
الفيلم يهيء جيداً لظواهره التي تشتد عنفاً وبروزاً بالتدريج. في بدايتها، الباب يُغلق من تلقاء نفسه وفي ليالي أخرى تُسمع ضوضاء وارتطامات خفية وصوت أقدام تتجه صوب باب الحجرة وثم السرير وبعدها تتشكل كظل على الباب وتتموج تحت الملاءات.
الزوجان يستشيران متخصصاً في الباراسيكولوجي (مارك فريدريشز) ويعلمها بأن الظواهر هي من فعل شيطان (وليس شبح) يستهدف الزوجة كاتي التي شهدت مواقف مماثلة منذ الطفولة. ويخبرهما بأن ترك البيت لا يفيد وأن عليهما أن لا يعبرا عن أي شيء من شأنه أن يبعث الطاقة السلبية التي تغذي الوجود الشيطاني. عليهم تجنب الغضب والخوف وعدم محاولة التواصل معه أو مناكفته ثم الإتصال بمختص في علم الديمونولوجي.
مثل هذا الضرب من الأسلوب البصري وارد في أفلام رعب عديدة منها مؤخراً Cloverfield و Quarantine لكن هنا استخدامه أكثر فعالية ولأسباب عدة. أولها أن تلك الكاميرا لفترات طويلة من الزمن تُترك لا أحد يديرها ما يعزز بشيء من الواقعية للظروف المُشاهدة منها. ثم لأن الفيلم أقل غموضاً ولأن كله يحدث داخل مسالك محدودة فإن رهاب الاحتجاز واحتمال فعل الرعب يشتد. هذا إلى جانب طبيعية التكوين المكاني والبصري الجيد وخلوه من البذخ وكثرة الإلقاء.
على الجانب السلبي، مخرج/ مؤلف العمل أورين بيلي سير الفيلم جيداً جاعلاً إياه حقيقياً بما فيه الكفاية، لكن فيلمه يظل محدوداً في تأثيره وفي أحداثه وتطوراته التي توصله أحياناً إلى حالة فتور.
الفيلم تجربة جيدة في الأساس بسبب من استفادته من خوف المشاهد الفطري ولمواكبته معيشة اعتيادية لا يُلحظ بها تدخل تقني (بعض مشاهده نفذت بالمؤثرات بالطبع لكن مؤثرات غير مشهودة) ثم لأن المخرج أورين بيلي ينجز بمهارة جيدة مفهوم الرعب الذي أرساه ريدلي سكوت في كلاسيكيته Alien من حيث أن التأثير الذي ينقله هو بفعل الإيحاء لما لا نراه ولا ندرك ماهيته عامداً -مثله- إلى الإبتعاد عن العنف الصريح و الإستفادة من حس الخوف من المجهول. الفيلم يبني ويولد الحالات تلك بنجاح أيضاً بفضل أداءات ممثليه الأولين المرتجلة والجديرة بالتصديق.