القاهرة - شيماء أبو زيد
إذا كان الهرم قد سلب لب الناس، فقد فعل أبو الهول بهم نفس الشيء، وسيظلون يحكون عنه القصص والأساطير
إلى أبد الآبدين.
وقد ارتبط اسم أبو الهول باسم خفرع، وهو الملك صاحب الهرم الثاني وابن الملك خوفو، ويقع تمثال أبو الهول بالقرب من هرم خفرع وتحديداً عند حافة الصحراء إلى جانب معبد الوادي للملك خفرع بالجيزة.
وهو تمثال يجمع بين جسم أسد ورأس إنسان, ويعتبر معجزة للنحت في عصره لأنه منحوت في الصخر الطبيعي لهضبة الجيزة.. فقد كانت الصخرة التي نحت بها التمثال جزء من أحد المحاجر التي استخدمت في عهد الملك خوفو ثم هجرت لعدم صلاحيتها، ولما جاء مهندسو الملك خفرع ووجدوا أن هذه الصخرة ستشوه منظر المكان عند معبد الوادي رؤوا الاستفادة منها بنصب هذا التمثال "أبو الهول".
يبلغ طول تمثال أبو الهول أكثر من 50 متراً، وارتفاعه حوالي 22 متراً، وقد اختلفت الآراء حول ما يمثله هذا التمثال، فالرأي القديم والسائد أنه يمثل الملك خفرع جامعاً بين قوة الأسد وحكمة الإنسان.
لكن الواقع أن التمثال نحت في عهد خفرع لكنه يمثل إله الشمس (حور أم آخت) والدليل على ذلك المعبد الذي يواجه التمثال، حيث تجرى له فيه الطقوس الدينية، وقد ظل ذلك واضحاً في ذهن المصريين طول تاريخهم، حيث اعتبروه تمثالاً للإله (حور أم آخت) وكانوا يتعبدون له ويقيمون اللوحات باسمه، ومن أشهر هذه اللوحات اللوحة الخاصة بالملك تحتمس الرابع من الأسرة الثانية عشرة، والتي تعرف بلوحة الحلم.
أما عن اسم أبو الهول والاشتقاق اللغوي، فتذكر الدكتورة أميمة الشال أستاذ الآثار المصرية أن أصله يرجع إلى الدولة الحديثة حين نزل قوم من الكنعانيين إلى منطقة الجيزة وشاهدوا التمثال الذي يمثل الإله (حور) وربطوا بينهم وبين إله لديهم هو (هورون) ثم حرف هذا الاسم إلى "حورونا" الذي حُرِّفَ بدوره إلى هول.
أما لفظة "أبو" فيبدو أنها تحريف للكلمة المصرية القديمة (بو) والتي تعني "مكان"، وفي هذه الحالة يصبح معنى الاسم "مكان الإله حور"، كما أن أبو الهول ذكر في النصوص المصرية القديمة باسم (شسب عنخ) أي الصورة الحية، ولم يتمكن الإغريق من نطقه فحرفوا الاسم إلى (سفنكس) (sphinx).
ومنذ ميلاد التمثال وهو مريض، فالصخرة التي نحت منها لم تكن في أحسن حالاتها، وقد جرى ترميمها عبر العصور المختلفة وحتى وقتنا الحالي، ويحاول البعض أن يحسب هذا الإنجاز لقارة أطلنطا، ولكنهم لا يملكون الدليل على ذلك.
وقد سقط ذقن أبو الهول في فترات ومختلفة، ويحتفظ المتحف بكسرة واحدة وهذه الكسرات لا تكفي لإعادة تكوين وتركيب ذقن أبو الهول.
أما أنف أبو الهول، فيذكر الدكتور نور الدين أستاذ الآثار المصرية أنه لم يهشمها أحد: لا عامل الوقت ولا الحملة الفرنسية، إنما هي عوامل التعرية وعبث الإنسان عبر هذا الزمن الطويل، ويكفي أن نعلم أن التمثال في الأسرة الثانية عشرة كان مغطى بالرمال حتى رقبته، وأزيلت هذه الرمال في عهد الملك (تحتمس الرابع).
وتظل هضبة الجيزة ذلك النبع الذي لا ينضب له معين، فبقدر ما أخرجت لنا من آثار رائعة مثل أهرامات الجيزة الأعجوبة الباقية حتى الآن وأبو الهول، بقدر ما نتوقع أن تخرج لنا عبر الزمان القادم ربما ما هو أكثر روعة، وهذا ما يؤكده الدكتور زاهي حواس رئيس الهيئة العامة للآثار المصرية بقوله إن ثلث آثار مصر لم تكتشف بعد، ومازالت في طي النسيان.
التدقيق: الجملة الأخيرة "ومازالت في طي النسيان".. في غير موضعها تماما، وأقترح ضرورة تغييرها إلى نهاية مناسبة، لأن الآثار المصرية لم تتعرض للنسيان، وإنما هي في حكم المجهول، إذ لم تكتشف بعد.