الإنسان المهدو3)
تطرقنا في الأسبوع الماضي لمظاهر الهدر في طاقات الأطفال. وفي
هذا الأسبوع ننتقل لمظاهر الهدر في طاقات
الشباب من الذكور.
فإذا
ما أمعنا النظر في الجدول اليومي لمعظم شبابنا فإننا سنجد احتلال "الترفيه" مكانة كبيرة في هذا الجدول. ومن المؤسف حقا
أن يصاحب
ذلك الترفيه انعدام واضح لدينا في ثقافة "الوقت".
وبعيدا عن اثر البطالة في هدر طاقات الشباب فإننا سنجد الهدر واضحا في مرحلة ما قبل الوظيفة يتمثل ذلك في اعتبار ممارسة التعلم والتثقف محصوراً في اليوم الجامعي وعلى ابعد التقديرات في استذكار الدروس. ولعل ما نشاهده من هجر للكتب والمكتبات دليل جلي على أن جزءاً من طاقات الشباب
التي من المفترض أن تتجه لتشرب الثقافة في جميع المجالات (أو في مجالات تخصصها على أقل التقديرات) هي أبعد ما تكون عن ذلك. ولهذا يجد الشباب في المرحلة الجامعية صعوبة بالغة في كتابة التقارير والبحوث المصغرة وصياغتها وهو ما يجعلهم يتجهون بكل سهولة لسماسرة بعض المكتبات الذين يتولون كتابة
هذه البحوث وهم الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي في بلدانهم؟!! وفي هذا الصدد يجدر بنا التعريج والتأكيد على أن سيل المناهج الذي يتلقاه الطالب لدينا لا يؤهله (على أقل التقديرات) للقيام والحديث عن نفسه في أي مجلس اجتماعي. فما بالك عن اقتحام مجالات القراءة والبحث المبسط. بالإضافة إلى المناهج التعليمية فإن وسائل الإعلام وثقافة المجتمع عنصران بالغا الأهمية في المشاركة في هذا النوع من الهدر.
والتقصير في جانب الإعلام يتجلى لنا في تغييب الشاب العالم عن الظهور وتسليط الضوء عليه من قبل وسائل الإعلام. ولعل الشهرة التي يحضى بها المغني أو الشاعر أو الرياضي أمام فئة العلماء والباحثين أمر يدعو للحزن على هذه الفئة التي اتخذت العلم وحده مسلكا وطريقا لمنفعة الدين والوطن.
وإذا ما اعتبرنا السن الذي من الممكن أن يقتحم فيه الشاب دهاليز العمل (أكبر من 22عاما) فإننا سنجد الفترة من 18- 22عاما يفترض بها أن تكون فترة غرس وصفات ايجابية لعقول الشباب لكننا نصطدم بهدر كبير لطاقاتهم في العديد من الملهيات التي مورس فيها تطرفا كبيرا من قبل الشباب. لعل أول هذه الملهيات التي تساهم في هدر الطاقات هي المتابعة (المتطرفة) التي تحضى بها لعبة كرة القدم لدينا وأقصد بالمتطرفة تلك التي تمتد لأكثر من خمس أو ست ساعات للعبة لا يتعدى أداؤها الساعتين في أطول الظروف. هذه الساعات التي يخسرها شبابنا لا يقابلها غالباَ ساعات إنتاج تبرر لنا هذا الشبق الكبير نحو التوجه للترفيه الكروي. ولعلي أشير في هذا الصدد إلى العادة السيئة التي اعتاد عليها بعض الشباب في ملء مقاعد الاستادات الرياضية قبل موعد بدء المباريات بفترات طويلة وضياع هذا الوقت يعتبر هدرا كبيرا على حساب وقت ثمين للشباب . وإذا ما اعتبرنا جل ذلك الوقت ترفيها فإننا سنصطدم حقا بعد ذلك بواقع مؤسف يتمثل في أن هذا الكم الكبير من الترفيه يمتد في بعض الأحيان ليتضمن جرائم التحرش والاشتباكات التي تتميز بها بعض المباريات الكبيرة أو الحاسمة.
لا أعرف حقا عملية هدر كبيرة لطاقات الشباب توازي ما تفعله كرة القدم لدينا. فالاستعداد النفسي المصحوب بالضغط والنرفزة، يتبعها حالة نفسية تتسم بالخوف والترقب يلي ذلك فرح عارم يقود للاعتداء على الممتلكات العامة أو حزن كبير يستمر مع الشاب مدة تفوق أيام العزاء الثلاثة المتعارف عليها في مجتمعنا، كل ذلك يجعل من "التطرف" في متابعة هذه المستديرة أمرا خطيرا وهدرا كبيرا لطاقات الشباب. ولا أطالب هنا إلا بضبط عملية التشجيع والمؤازرة لهذه اللعبة الشهيرة فالاهتمام بها امر مطلوب لكننا يجب أن نترقب التطورات المؤسفة التي من الممكن أن تحدث بسببها.
نوع آخر من أنواع الهدر وهو ما يسمى شعبيا ب "الاستراحات" وهي المكان الذي يجتمع به عدد من الشباب (المتفقين مع بعضهم) ويمارسون فيها برنامجا معينا غالبا يتكون من الحديث في الأمور العامة وشرب الشيشة ومشاهدة القنوات الفضائية ومكمن الهدر في هذه الطريقة التي تدار بها تلك الأماكن هو انعدام الفائدة في الوقت الطويل الذي يقضيه الشاب في الاستراحة ولعلي استغل هذه المناسبة للدعوة إلى تحويل هذه الاستراحات لملتقيات مبسطة تستضيف أعدادا من المتخصصين في شؤون تطوير الذات وعرض برامجهم المختصرة والخفيفة لمرتادي هذه الاستراحات. بل إن استغلال هذا المكان للتطبيقات العملية الخاصة بالإلقاء والحوار هو أفضل عمل من الممكن أن نقوم به ليتحول ذلك الهدر إلى نوع من استغلال الطاقات لتنمية الشخصية على أقل التقديرات.
إن ما ذكرته في سياق هذا المقال جزء بسيط لبعض ظواهر الهدر في طاقات الشباب. ولعل الخطر الكامن في ضياع تلك الطاقات هو إمكانية استغلالها سلبيا سواء من قبل الشاب نفسه أو من قبل بعض مروجي الأفكار المنحرفة. وتفريغ الطاقات في هذا أو ذاك سيكون له أثر كبير ازعم أننا لن نستطيع أن نستوعب تبعاته.
إننا لن نتجاوز سلبيات الشاب المهدور إلا بالقناعة والإرادة المنطلقة من ذاته. ولعل أبرز ما يساهم في تحريك ذلك هو توفير المؤسسات الخاصة (غير الحكومية) التي تعنى باستغلال طاقات الشباب عبر سياسات وخطط استراتيجية تضع التنمية وحاجة الوطن المستقبلية نصب عينها لتجهز لنا شبابا يقبلون على العمل والإنتاجية بفكر وعقل يتواءم مع المرحلة التي نعيشها.
المزيد من المراجعات حول Al-Riyadh