الجهاد ماض إلى يوم القيامة وحقيقته تتضح عبر النقاط الآتية:
·
أولا: للجهاد معان متعددة، لا يمكن حصرها
في مباشرة القتل والقتال، وكما لا نتفق فيمن يقدم مفهوما للجهاد محذوفا منه القتال، فلا نتفق أيضا مع من يذهب إلى عسكرة الجهاد، ومما يدل على اتساع معنى الجهاد وتنوع مدلولاته الأحاديث الآتية: قوله صلى الله عليه وسلم "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم" وقوله " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وقوله " أحي والداك؟ قال نعم، قال: ففيهما فجاهد" وقوله " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله". ومن الطبيعي أن تننوع أشكال الجهاد لتنوع الأعداء.
·
ثانيا: الجهاد وسيلة من وسائل بلوغ الغايات الإسلامية النبيلة: لم يكن الجهاد مراد لذاته، ولكنه وسيلة لإدراك غاية، فهو إذن يندرج في عداد الوسائل لا الغايات، ويترتب على ذلك عدة أمور: 1- أنه وسيلة مرادة لغاية محددة متى انتفى بلوغ هذه الغاية من خلال الجهاد امتنع اللجوء إليه.2- إنه ليس الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام المؤمنين لسلوكها. 3- لو وجدت وسيلة أخرى غير القتال، فالواجب اللجوء إليها دون غيرها.
·
ثالثا: غايات الجهاد: لمقاصد القتال في الإسلام غاية محددة، وليست مجرد إشباع لنزعات الإنسان الذميمة في قهر الناس واستضعافهم، فقد جاء الإسلام ليلغي كل هدف رخيص غير جدير بإراقة دماء هذا المخلوق الكريم، وجعل أهداف الحرب والقتال منحصرة في هدف واحد وهو إعلاء كلمة الله " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فخرجت بذلك كل الغايات الدنيوية الحقيرة.
·
رابعا: الجهاد تحرير لا استعباد، حرية لا إكراه: وهو بهذه النظرة يمثل حركة تحرير للإرادة الإنسانية من كل ضروب العبودية لبني الإنسان، وهو لإقامة العدل بين الناس، فالحرب في الإسلام شرعت لتأمين الحرية التي كفلها الله لعباده، وقد كان الصحابي ربعي بن عامر فقيها بهذا المعنى حين سأله قائد جيوش الفرس: ماذا جاء بكم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة الناس إلى عبادة الله الواحد القهار، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. فالجهاد إذن يزيل كل أشكال العبودية لغير الله، ويكسر القيود المفروضة على عقول الناس حتى لا يبقى لشخص سلطان على الخلق يحول بينهم وبين الإيمان بالله.