اختلفت آراء الباحثين في تفسير طبيعة العقلية العربية اختلافا كبيرا، وها نحن بصدد سرد تلك الآراء والتعليق عليها:
1- يقول بعض الشعوبية في العرب " لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض لها ملوك تحميها، ومدن تضمها، وفلسفة تنتجها، ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ويقمع ظالمها، ونهى سفيهها، ولم يكن لهم انتاج فكري سوى الشعر، وقد شاركتهم فيه العجم.
2- ويرد عليهم الجاحظ مقارنا بين العرب وغيرهم " إن للهند معان مدونة، وكتب مجلدة، ولليونان فلسفة منطق، وفي الفرس خطباء، إلا أن كل كلام وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة، وعن اجتهاد وخلوة، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة أو مكابدة، إنما هو أن يصرف همه إلى الكلام، فتأتيه المعاني أرسالا وتنثال عليه انثيالا.
3- ويرى ابن خلدون أن العرب أبعد الناس عن الصنائع والعلوم وأنهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب لأنهم أمة وحشية، فينقلون الحجر من المباني لينصبوه أثافي للقدر، ويخربون السقف ليعمروا به خيامهم، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طبائعهم من عوج الملكات، وهم أقرب الناس إلى الشجاعة، لأنهم قائمون بأمر المدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواها، وهم اصعب الأمم انقيادا للغلظة والأنفة، وبعد الهمة والمنافسة على الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، من أجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية.
4- ويرى أوليري أن العربي مادي ضيق الخيال، جامد العواطف شديد الشعور بكرامته وحريته، ثائر على كل سلطة
نرى من هذا أن ابن خلدون في حكمه على العربي خلط بين العربي في عصوره المختلفة، وأصدر عليه أحكاما عامة، مع أنه هو القائل بأن العربي يتغير بتغير البيئة.
أما رأي أوليرى بأن العربي ضيق الخيال فلعله يقصد أن الشعر العربي قد خلا من الشعر القصصي وشعر الملاحم كالياذة هوميروس، كما أنهم في العصر الحديث قليلو البضاعة في تأليف الروايات، غير أننا نرى أن هذا كله إنما هو أحد مظاهر الخيال لا الخيال كله، كما أن الغزل والبكاء على الأطلال وغير ذلك لا يمكن أن يصدر عن عواطف جامدة.
أما رأي الجاحظ فهو يسلم براي الشعوبية، وهو يركز على الصفتين الواضحتين: طلاقة اللسان وحضور البديهة، فما أن يفجأ العربي بالأمر إلا ويفجؤك بحسن الجواب، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى الواحد في قوالب متعددة، فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، أي أن لسانه أمهر من عقله.
أما من الناحية الخلقية، فيميل إلى حرية قل أن يحدها حد، ولكنها الحرية الشخصية لا الحرية الإجتماعية، فهم لا يدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم، ويشعر العربي دائما في أعماق نفسه أنه من دم ممتاز، لم يؤمن يوما بعظمة الفرس والروم مع ما له ولهم من جدب وخصب وفقر وغنى، وبداوة وحضارة، حتى إذا فتح بلادهم نظر إليهم نظرة السيد إلى المسود.